في فَرَسَان عندما تعرش المواسم.

حياة الناس حبلى بالمواسم، وولادات الأفراح تتم في أزمنة غير منتظمة، وبتغير ولادات هذه المواسم تتغير مواسم الأفراح. الغائبون - في البحر بحثا عن معادن “ المحار “ يعودون، و” المعزبون “ تحت أكواخ سعف النخيل - في بعض الجزر القريبة - يقطعون أسابيع عزبتهم، ويتجاهلون إغراءات الأسماك الوفيرة على أطراف سناراتهم وفي ثنايا شباك صيدهم.. كلهم يعودون، وقد صبغت جباههم سمرة البحر، وازدحمت على سواعدهم تحديات ذلك الأزرق العملاق الممتد حتى مشارف الأفق. أيام “ العاصف “ التي اصطلحوا على تسميتها بهذا الاسم - بسبب اشتداد رياح الشمال فيها، هي إحدى تلك المواسم المرتبطة بحياة الناس ووجدانهم. تبدأ التباشير ببزوغ أول “ عذق “ في عنق نخلة سباقة إلى “ الطلع “ المبكر تتبعها نخلات أخر. يسري التفاخر بين سكان قرى النخيل عندما تكون نخلة في إحداهن قد اقتحمت بادرة العطاء. مؤبرو النخل هم الأكثر فرحة، وهم الأكثر استعدادا لاستقبال الموسم الصيفي. أحاديث الطلع تشغل المجالس.. عيون “ العصابين1” تكاد تفرغ نظرها وهي تجوس خلال السعف المترنح بنشوة “ البادرة 2” للبحث عن “ جلحفة3 “ نخل ذكر مستوية يلتقطها في غفلة من العصابين لينثر حباتها على أعناق النخلات المزدهية بشموخ قاماتها وعطاءاتها. الصباحات ضاجة بالنداءات المندسة بين هسهسات السعف: أنا من زمان أعصب النخل و”اقدي 4” ولا حان وقته خذته تمره ورا تمره دخان يتصاعد من زاوية جدار لـ” تنور “ يهيئ نفسه لاستقبال عجين الذرة “الحامض”، ورائحة شواء سمك لم تجف قشوره من ماء البحر بعد. براد معدني تفحم جسده بفعل “ الوسيف 5 “ المشتعل تحته، واحتراق حفنة من السكر ووريقات الشاي شذت عن فوهة البراد تعبث بحاسة الشم عندما تقع على الجمر مباشرة. “يجفر 6” البراد، فينزله أحدهم ويضعه تحت قطعة من الخيش، أو قطعة قماش مهترئة حفاظا على حرارته إلى ما بعد الفطور. رجل يذهب إلى البئر المحتمية بظلال النخيل فيملأ دلوه بمائها القراح ويضعه على جانب المائدة المفترشة أرض المكان.. تمتد يد أحدهم إلى زاوية قريبة لتتناول قارورة يعلو منتصفها “ السليط 7 “ ويدلقه في “ معدنية “ تحتل وسط المائدة. تمتد الأيدي المبللة بعرق الكفاح، تغمس اللقمة الشهية لترتفع إلى الأفواه الممتلئة بإيمان التوكل واشتهاء العافية. يتكئ كل واحد منهم على حزمة من الحشائش، أو على عمامة يحل عقدتها من فوق رأسه.. جلسة اتكاء دائرية حول البراد. المتفحم، وشخص يغمس كؤوس الشاي فيما تبقى من ماء الدلو ليزيل ما علق بها من أتربة أو غبار .. أصوات الرشفات الهامسة تموسق المجلس بين لحظة وأخرى، وحول أشياء بسيطة يدور الحديث وتتعالى الضحكات. بعض قنوان النخيل مضى على وضعها في “ الهدمة 8 “ أكثر من أسبوعين ويجب تنشيرها* لتتعرض للهواء، والشمس. هكذا قال أحدهم، ويقول آخر: لكننا هذه المرة ليس لدينا كميات كافية من “العامية 9” والأرض لم تنبت حشائش بسبب “ الجحر 10 “ ويقول ثالث: لكن الجبل وبعض الجزر هطلت عليها أمطار - في فصل الشتاء - ولا تخلو من الحشائش، وينتهي الحديث إلى إغفاءة تتسلل إلى الأجفان من خلال فتحات البيت الحجري تحت تأثير نعومة الهواء المتسرب منها. كان طفل لأحد الجيران قد طلب من أحدهم أن يحضر له طائر “ سبج “من تلك الطيور التي تأتي مهاجرة في موسم الطلع. وفي الهاجرة كان طائر يحتمي في عنق نخلة ويغمض عينيه ساعة القيلولة متلذذا بتمايل النخلة المختالة بثمرها. استعان “ العصاب * “بزميل له ليغني الأغنية الطفولية: سبوج الحوافي11 يغيب سنه وياجي يقسم الكوافي رقد .. رقد .. رقد تسلق النخلة قليلا قليلا ، وعرش حوله عرس طفولي من أطفال الجيران، وهو يمسك بريشة بارزة في رأس الطائر ليتدلى جسمه متراقصا على إيقاع الأغنية الطفولية “سبوج الحوافي”. شجار بريء ينشب بين العصابين حول “الصنايعي” الوحيد الذي يتقن نسيج الحشائش على شكل غلاف بيضوي يغلفون به قنوان البلح خوفا عليه من موسم هواء يهب من جهة الغرب يسمونه “ المعلي “ يحرق حبات الثمر الواعدة ، وينتهي الشجار إلى اتفاق يتم في نفس اللحظة، وبعدها يذهب كل واحد في طريق. __ ١- العصابين: مؤبرو النخيل. ٢- البادرة : أول طلع النخيل. ٣- الجلحفة : شمراخ النخلة قبل أن ينشق ٤- أقدي : بتشديد الدال: أنظف ٥- الوسيف : السعف اليابس 6- يجفر: يثور. 7- السليط : زيت السمسم 8- الهدمة : قطعة من الخسف يغلف بها الثمر 9- العامية : أغلفة من الحشائش مضى عليها عام 10- الجحر : قلة الأمطار 11- الحوافي : الحارات