يقدّم غلاف رواية «فيلق الإبل» تشكيلًا بصريًا تتقدّم فيه الكتابة على الصورة، بينما ترسم الصورة، المنتجة بالذكاء الاصطناعي، فضاءً صحراويًا تتدرج ألوانه في درجات البني حتى يذوب الأفق في الرمال. ويتوسط المشهد فيلق طويل من الإبل يقوده بدوي يلتفت إلى آخر القافلة الممتدة خارج مجال الرؤية، في إيحاء برحلة لا تنتهي. ولا يكتفي الغلاف بإحالة المتلقي إلى الصحراء العربية، إنه يفتح منذ اللحظة الأولى أفقًا آخر، إذ تمتزج صحراء نجد بصحراء أريزونا الأمريكية، فتتشكل الرغبة في اكتشاف الحكاية التي حملت رجال العقيلات وإبلهم إلى العالم الجديد. وتتأكد هذه الرؤية من خلال العبارة المثبتة قبل الإهداء: «تاريخنا قصة»، وهي مفتاح يوجّه القراءة نحو التفاعل بين التاريخ والتخييل. ويعزز الكاتب هذا التوجه في خاتمة الرواية، حيث يثبت المرجع التاريخي الذي استند إليه، والمتمثل في خبر مشاركة عدد من السعوديين في مشروع فيلق الإبل خلال القرن التاسع عشر، مؤكدًا أن العمل يستلهم التاريخ دون أن يتقيد بحرفيته. وعلى الرغم من إمكانية تصنيف الرواية ضمن الأعمال التي تستثمر التاريخ، فإنها تتيح قراءة أخرى أكثر اتساعًا، تنطلق من علاقة الإنسان بالمكان، ومن الكيفية التي تُنتج بها الجغرافيا الهوية، في إطار ما يعرف بالأدب والجغرافيا الثقافية. وتقوم هذه القراءة على محورين، هما: الذات والموطن في تشكيل الفضاء تبدأ الرواية برسم عالم البادية في شمال نجد، حيث يعود البدوي مناور مع فرسه وكلبه إلى خيمته قبيل الغروب، في مشهد يفيض بسكينة الحياة الصحراوية وطقوسها اليومية، وعلى رأسها إعداد القهوة حول البئر، بوصفها مركز الاجتماع والحياة. لكن هذه السكينة لا تلبث أن تنقلب إلى مأساة؛ إذ تتحول مشادة عند البئر إلى جريمة قتل يرتكبها مناور دفاعًا عن حرمة المستجير. ومن خلال هذا التحول يكشف السرد منظومة القيم والأعراف التي تحكم المجتمع البدوي، كما يبرز دور الشيوخ في إدارة العدالة القبلية. وينتهي الحكم بإلزام مناور بدفع دية مقدارها مائة من الإبل، مع إجلائه عن القبيلة ثلاث سنوات. لا تقوم أهمية هذا الفصل على الحدث وحده، وإنما على الطريقة التي يجعل بها المكان منتجًا للسلوك والقيم. فالفضاء الصحراوي هنا يمثل خلفية للأحداث، ويصوغ الشخصيات، ويحدد أنماط تفكيرها، ويمنحها منظومتها الأخلاقية. ولهذا يحرص الكاتب على بناء هوية المكان من خلال الأمثال، والأشعار، والمحكيات المحلية، ولغة الحوار النجدية، بما يمنح الشخصيات صدقًا ثقافيًا، ويجعل القبيلة موطنًا للذات ومصدرًا لانتمائها. وتتحول رحلة مناور بعد النفي إلى تغريبة صحراوية طويلة، تبدأ من نجد وتنتهي في أريزونا، حيث يموت ويُدفن هناك إلى جوار رفيقه الحاج علي. وهكذا يصبح الرحيل قدرًا وجوديًا، ويتحول طقس القهوة، الذي كان رمزًا للاستقرار، إلى نقطة انطلاق نحو المنفى والعالم الواسع. الأوطان والانتماء في العالم الجديد يتجاوز فيلق الإبل كونه عنوانًا للرواية ليغدو رمزًا مركزيًا يحكم بنيتها كلها. فقد بدأ وسيلة لإنقاذ مناور من الثأر، ثم تحول إلى رمز لعبور الصحراء إلى العالم الجديد، وإلى صورة لذاكرة وطنية تتجاوز الحدود. وتنقل الرواية شخصياتها من فضاء القبيلة إلى فضاءات المدن والبحار، عبر رحلة تنطلق من بريدة إلى بغداد والأردن والإسكندرية وبريطانيا حتى الولايات المتحدة، حيث تشارك الإبل في واحدة من أكثر التجارب غرابة في التاريخ الأمريكي.وفي هذا المسار يبرز الحاج علي السالم بوصفه الشخصية التي تصل العالمين؛ إذ ينجح في الاندماج داخل المجتمع الأمريكي بعد زواجه من هيلين، دون أن يفقد جذوره الأولى. وبعد وفاته يُدفن في ولاية أريزونا، ويتحول قبره لاحقًا إلى معلم تاريخي تعلوه مجسمة لجمل، في دلالة على بقاء الذاكرة رغم انقضاء الزمن. أما مناور، فيواصل تجسيد قيم الفروسية والقيادة حتى يصبح مساعدًا لقائد فيلق الإبل، بينما يجسد سليمان روح التاجر العقيلي المغامر الذي يجمع بين السعي إلى الرزق والانفتاح على العالم، قبل أن يعود إلى موطنه محملًا بخبرات جديدة. وتقدم الرواية هؤلاء الثلاثة بوصفهم نماذج مختلفة للإنسان العربي في مواجهة العالم الجديد؛ فلكل واحد غربته الخاصة، لكن مصائرهم تتقاطع في تجربة واحدة تعيد تعريف الوطن والانتماء. ومن خلال هذه الرحلة ينجح الكاتب في هدم الصورة النمطية عن البدوي، إذ يقدمه إنسانًا قادرًا على التكيف، والتفاعل، والتعلم، وصناعة التاريخ، لا شخصية منغلقة على ذاتها. كما تكشف الرواية نسبية العادات والقيم بين الثقافات المختلفة، وتحتفي بالتعددية الإنسانية التي تتجلى في الشخصيات واللغات والطقوس والأمكنة. ولا تقتصر أهمية التجربة على نجاح الإبل في أداء مهمة عسكرية، وإنما تتجاوز ذلك إلى بعدها الحضاري؛ فقد أسهمت في إعادة تشكيل صورة أهل الصحراء لدى الآخر، وأثبتت أن الخبرة المتراكمة في البيئة الصحراوية قادرة على الإسهام في بناء عالم مختلف. وهكذا تتحول الواقعة التاريخية إلى جسر ثقافي بين العالم القديم والعالم الجديد، تنتقل عبره الخبرات والمهارات والرؤى، وتتقارب من خلاله الجغرافيات والثقافات. خاتمة تكشف «فيلق الإبل» عن قدرة الرواية على تحويل التاريخ إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة، وعلى إعادة بناء الجغرافيا بوصفها فضاءً لتكوين الهوية، لا مجرد إطار للأحداث. وقد نجح أحمد السماري في الجمع بين الواقعي والمتخيل، والتاريخي والسردي، ليصوغ رحلة تتجاوز الانتقال المكاني إلى إعادة تشكيل الذات. وتؤكد الرواية أن الإنسان، مهما ابتعد عن موطنه، يحمل معه منظومة قيمه وخبراته، وأن الهوية تنعتق من سجنٍ مغلقٍ، لتصبح تجربة تتجدد بالحوار مع الآخر. ومن خلال شخصيات مناور، والحاج علي، وسليمان، يتجسد عبور الإنسان من حدود القبيلة إلى أفق الإنسانية، حيث تصبح الصحراء نقطة انطلاق لا نهاية، ويغدو الوطن ذاكرة ترافق أصحابها أينما ارتحلوا. وبذلك تفتح الرواية أفقًا جديدًا للتخييل الجغرافي، وتستعيد صفحة منسية من التاريخ العربي في علاقته بالعالم، مؤكدة أن الحب، والطموح، والمغامرة، والإيمان بالإنسان، هي القوى التي تدفعه دائمًا إلى اكتشاف ذاته وتجريب العالم. * كاتبة تونسية