الاستعمار التأويلي..

كيف أصبح الإنسان غريبًا عن معنى نفسه؟

ليس الاستعمار، في جوهره، احتلالًا للأرض، بل احتلالٌ للحق في تعريف الواقع. فالأرض قد تستعيدها الجيوش، أما الرواية التي تُنتزع من أصحابها فقد تحتاج أجيالًا كاملة لتعود. ولهذا فإن أخطر أشكال الهيمنة لا تبدأ بالسيطرة على المكان، بل بالسيطرة على المعنى. هذا المنطق لم يعد يقتصر على الدول والشعوب، بل امتد إلى الإنسان نفسه. فقد أصبح يعيش استعمارًا من نوع آخر؛ لا يصادر ممتلكاته، بل يصادر حقه في أن يكون المرجع الأول لمعنى حياته. وهذا ما يمكن تسميته بالاستعمار التأويلي. وأقصد بهذا المصطلح انتقال سلطة تفسير الإنسان من ذاته إلى الآخرين، حتى يغدو تأويلهم له أسبق من تجربته، وأقوى من شهادته على نفسه. وليس المقصود اختلاف الناس في فهمنا؛ فالاختلاف طبيعة بشرية. إنما المقصود أن تنتقل سلطة تفسيرنا من داخلنا إلى خارجنا، حتى نصبح آخر من يُستشار في حقيقة ذواتنا. قديمًا، إذا سُئل الإنسان عن قصده، كان جوابه هو المرجع الأول، حتى وإن رفضه الآخرون. أما اليوم، فقد تبدلت المعادلة؛ فلم يعد السؤال: ماذا تقصد؟ بل: ماذا نظن أنك تقصد؟ وهي نقلة تبدو لغوية، لكنها تمثل تحولًا عميقًا في علاقتنا بأنفسنا. أصبح الإنسان لا يُحاكم على أفعاله وحدها، بل على التأويلات التي تُنسج حولها. ولم يعد يكفي أن يكون صادقًا، بل بات مطالبًا بإدارة الصورة التي يصنعها الآخرون عنه. وهكذا نشأ قلق جديد؛ قلق لا يتعلق بحقيقة ما نحن عليه، بل بما قد يُقال إننا عليه. وليس منشأ هذا القلق وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كانت قد سرّعت انتشاره. فجذوره أقدم من ذلك، وترتبط بطبيعة العقل البشري؛ إذ لا يحتمل الفراغ طويلًا. فإذا غابت بعض الحقائق، سارع إلى ملئها بالاحتمالات، وإذا استعصى عليه التفسير، صنع تفسيرًا يريحه. وهكذا يعيش الإنسان بين التأويلات بقدر ما يعيش بين الحقائق. غير أن المشكلة لا تكمن في التأويل نفسه، بل حين يتحول من احتمال إلى يقين، ومن قراءة إلى حكم نهائي. لقد أدرك الفلاسفة منذ زمن أن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له أدوات إدراكه. لكن ثقافتنا المعاصرة تجاوزت هذا الحد؛ فلم تعد تكتفي بقراءة الإنسان، بل أصبحت تستبدله بقراءتها له. فلم يعد الشخص هو ما عاشه، بل ما قيل عنه، ولم تعد التجربة هي الأصل، بل الرواية الأكثر انتشارًا. ومن هنا يبدأ الاستعمار التأويلي عمله الحقيقي؛ إذ ينظر الإنسان إلى نفسه من خلال أعين الآخرين. يفكر قبل أن يتكلم: كيف سيُفهم كلامي؟ وقبل أن يصمت: ماذا سيقال عن صمتي؟ ومع الزمن لا يعود يعيش وفق ما يقتنع به، بل وفق ما يقلل احتمالات إساءة فهمه. وهنا يفقد الإنسان شيئًا فشيئًا صلته بصوته الداخلي. فلا يعود يسأل: ماذا أريد؟ بل: ماذا ينتظر الناس مني؟ ولا يتساءل: هل هذه قناعتي؟ بل: هل سيقبلها الآخرون؟ وبذلك لا يولد غريبًا عن ذاته، وإنما يصبح كذلك بالتدريج، حين تحل أصوات الآخرين محل صوته. ومن أخطر نتائج هذا التحول أن الإنسان أصبح يهتم بصناعة الانطباع أكثر من صناعة الشخصية. فالسمعة قيمة اجتماعية، أما الشخصية فقيمة وجودية. الأولى تتشكل في أعين الناس، والثانية تنمو في ضمير الإنسان. فإذا اختلطت القيمتان، انصرف المرء إلى تجميل صورته بدل تهذيب نفسه، وانتصرت المظاهر على الحقائق. ولذلك لا ينبغي أن يكون علاج هذه الأزمة بالانغلاق أو رفض النقد؛ فالإنسان يحتاج إلى من يراجعه ويكشف له عيوبه. لكن ثمة فرقًا بين النقد والمصادرة. فالنقد يحاور الإنسان ويضيف إلى وعيه، أما المصادرة فتتحدث باسمه، وتنتزع منه حق تعريف نفسه. ولعل أخطر ما في عصرنا أنه أقنع الإنسان بأن عليه أن يفسر كل شيء. مع أن الوجود الإنساني أوسع من أن يُستنفد في الشرح، وبعض الصمت ليس نقصًا في البيان، بل احترام لما تعجز اللغة عن حمله. وليس كل غموض نقصًا، بل قد يكون آخر مساحة تصون بها النفس كرامتها وخصوصيتها. إن الحضارة التي تريد أن تعرف عن الإنسان كل شيء، قد تنتهي إلى ألا تعرف عنه شيئًا؛ لأن المعرفة لا تبدأ بالاقتحام، بل بالاحترام. واحترام الإنسان لا يكون بحماية جسده أو ماله فحسب، بل بحماية حقه في أن يحتفظ بجزء من ذاته خارج التأويل والتداول. لعلنا بحاجة إلى إعادة النظر في معنى الحرية. فنحن لسنا أحرارًا لمجرد أننا نستطيع الكلام، بل حين لا يُنتزع منا حق تفسير كلامنا. ولسنا أحرارًا لأن الناس يرون وجوهنا، بل لأن لنا أعماقًا لا يملكها أحد سوانا. وهذا هو الحق الذي لا تكاد تنص عليه المواثيق، مع أنه من أعمق حقوق الإنسان: حقه في أن يكون المرجع الأول لمعنى نفسه. ليس لأنه معصوم من الخطأ، ولا لأنه يرى ذاته دائمًا بوضوح، بل لأنه الوحيد الذي عاش تجربته من الداخل، بينما لا يرى الآخرون منها إلا ما تسمح به المسافة. ربما لن نستطيع أن نمنع الناس من تأويلنا، فالتأويل جزء من الطبيعة البشرية. لكننا نستطيع أن نرفض تحويل تلك التأويلات إلى سلطة فوق وجودنا، وأن نتذكر أن قيمة الإنسان لا تبدأ من الصورة التي يحملها عنه الآخرون، بل من الحقيقة التي يعرفها عن نفسه. فأخطر استعمار ليس الذي يحتل المدن، ولا الذي ينهب الثروات، بل الذي يجعل الإنسان يقف أمام مرآته فلا يرى وجهه، وإنما يرى تفسير الآخرين له. وعند تلك اللحظة، لا يكون قد خسر معركة رأي، وإنما خسر السيادة على آخر أرض يملكها… أرض المعنى.