يقدّم العرض المسرحي «حارسة المسرح» للكاتب عباس الحايك والمخرج نايف العباد، عرضًا يطرح أسئلة شائكة حول واقع المسرح، فالعرض ينتمي إلى تقنيات الميتامسرح إذ يجعل من الخشبة موضوعًا للتأمل والنقد المسرحي. من خلال شخصية كريمة، الممثلة المسرحية السابقة التي انتهى بها المطاف حارسةً للمسرح الذي شهد سنوات مجدها وفنها.! يفتتح العرض المسرحي بمشهد للممثلة كريمة داخل غرفة الحارس في المسرح، وهي تمارس تفاصيل حياتها اليومية وتغني بانسجام في تجسيد مسرحي يوحي بالألفة والاعتياد، قبل أن تتبدل الحالة الدرامية فجأة إلى أداء درامي يكشف جانباً آخر للشخصية وهشاشتها النفسية. ومنذ اللحظة الأولى يضع العرض المسرحي المتلقي أمام شخصية كريمة، المرأة التي تعيش أسيرة لذاكرتها وأمجادها المسرحية، ليتحول المكان إلى فضاء يستدعي الماضي ويستحضره، متجاوزاً وظيفته الأساسية كونه غرفة إقامة. يكمل العرض المسرحي تطور مشهديته، منتقلاً إلى مشهد يعمق البناء الدرامي فيدخل الصحفي فيتحول الحوار تدريجيًا إلى رحلة استرجاعية تستعيد فيها كريمة بداياتها في المسرح، يطرق الحوار قضية المسرح سابقاً كيف كان ينظر له كفعل جماعي ينجح ويقام بمجهود جماعي، وكيف ينظر له اليوم بمنظور النجم الذي يحرك المسرح ويجلب الجمهور إلى الخشبة. يتجه الحوار إلى أحد أكثر محاور العرض حساسية، وهو ثمن الاستمرار في الوسط الفني، فتكشف كريمة أنها رفضت تقديم تنازلات تمس قناعاتها الشخصية ومنها التخلي عن الحجاب الأمر الذي أدى -بحسب رؤيتها- إلى تهميشها وإقصائها ووصلت إلى أن تكون منسية هنا في زاوية بعيدة عن المسرح بشكله الذي تحب. ولا يقف العرض المسرحي عند هذه القضايا، بل يطرح إشكالية أخرى تتعلق بعلاقة الفنان بالمسرح؛ هل التمثيل مهنة توفر لصاحبها حياة كريمة؟ أو رسالة تتطلب التضحية دون أن ينتظر مقابل مادي لذلك؟ ويجسد الحوار بين كريمة والصحفي هذا الصراع الفكري، إذ يرى الصحفي أن الفنان من حقه البحث عن الاستقرار المادي، بينما تتمسك كريمة بفكرة أن حب المسرح يسمو على كل المكاسب المادية وأن تصفيق الجمهور وتداول العرض المسرحي نقدياً تمثل المكافأة الحقيقة للمسرحي الناجح، معلنة بعد ذلك براءتها من كل من يتنازل عن مبادئه في سبيل الشهرة أو المال. هذا الطرح قُدم في صورة ثنائية متقابلة، وكأن الالتزام بالمبادئ يتعارض مع تحقيق الممثل الاستقرار المادي، ولكن هذه العلاقة ليست تناقضية فيمكن أن يحافظ الممثل على القيم العليا التي يؤمن بها وبين أن ينال التقدير المادي الذي يضمن له حياة كريمة. ويبلغ الصراع ذروته عندما تتحول المواجهة من حوار هادئ إلى جدل فكري وفضاء رمزي قائم على التأمل والمناجاة بلغة تصوف وفلسفة حول مفهوم المسرح ذاته الذي يؤمن به الأشخاص العاملين فيه. فبينما تنظر كريمة إلى المسرح بوصفه تجربة فلسفية وروحية تتجاوز حدود الترفيه، يعترض الصحفي على هذا النظرة مطالبًا بمسرح بسيط يستطيع الجمهور العادي فهمه والتفاعل معه، وهنا ينجح النص في تقديم رؤيتين متقابلتين للمسرح؛ الأولى تدعو إلى التجريد والتأمل، والثانية تدعو إلى الوضوح والتواصل مع المتلقي. هذه المواجه بين الموقفين لم تُحسم، إنما تُركت للجمهور حرية الانحياز إلى أي مسرح يريد. وفي لحظة مكاشفة مؤثرة تدرك كريمة أن فلسفتها الخاصة لم تعد مناسبة ولا تتفق مع الواقع الذي تعيشه المؤسسات المسرحية، إذا يظهر من خلال تجسيدها الحركي لجسدها الانكسار الداخلي والضياع. ويطرح العرض المسرحي أيضًا قضية الإعلام المسرحي من خلال التمييز بين الصحفي الباحث عن الحقيقة والناقد الواعي بطبيعة الفن، وبين الإعلام الذي يسعى إلى الإثارة والشهرة. إلا أن هذا المحور ولم يُمنح المساحة الكافية لتطويره دراميًا، إلا أنها جاءت متسقة مع الحالة الدرامية المبنية على المساءلة بين الطرفين. وفي المشهد الأخير، يطلب الصحفي من كريمة أن تقدم نموذجًا من أدائها المسرحي ليحكم هو على أدائها أو فضولاً، فتغادر غرفتها إلى مقدمة الخشبة في انتقال مشهدي مناسب لتستعيد لحظات مجدها القديم. فتبدأ في استذكار أدوارها السابقة وتنسجم في الدور إلى يقاطعها الصحفي دون اهتمام بما تقدم، ليتضح لها أنه لم يكن حضوره من أجلها ولا يعلم بوجودها هنا وأن السبب لدخوله غرفة الحارسة هو البحث عن حقيبته التي نسيها سابقاً في المسرح. تشكّل هذه النهاية لحظة المأساوية التي تعيشها كريمة كممثلة مسرحية مهمشة، وهي لحظة انهيار الوهم فهي ما زالت تؤمن بأنها حاضرة في ذاكرة المسرح والصحافة بينما الواقع يؤكد أنها أصبحت منسية. وفي المشهد الختامي لشخصية كريمة تعود فيه إلى مناجاتها للمسرح مؤكدة على أن هذا الفن طاهر، ولا يستحقه إلا من يؤمن به حقًا. فتغادر مع إظلام المسرح. بعدها يظهر حارس جديد للمسرح يحمل كتابًا، فيما تُعرض صورة كريمة يتوسطها شريط أسود، في إشارة رمزية إلى رحيلها الجسدي واستمرار المسرح بعد رحيل أفراده. بذلك يختتم العرض المسرحي رسالته بأن المسرح فكر ورسالة يبقى أثره ممتد ويرحل صنّاعه. شكلت السينوغرافيا فضاء داعماً للحدث المسرحي، فغرفة صغيرة متواضعة تضم سريرًا بسيطًا وكرسيًا وخزائن علقت عليها صور لعروض مسرحية قديمة تحولت إلى أرشيف بصري يستحضر الماضي للشخصية، وفي المقابل واقعها بوصفها حارسة للمسرح الذي كانت يومًا إحدى نجماته، وهذ نجح في إبراز التحول القاسي في مسيرة الشخصية. أما الإضاءة، فقد أسهمت في الانتقال بين الواقعي والتأملي. *ماجستير في الأدب المسرحي.