(عرق سماوي) ديوان جديد للشاعرة الدكتورة أسماء الجنوبي. صدر عن دار مجاز سنة 2026. أول ما يسترعي الانتباه في الديوان غلافه المميز الذي يحتل اللون الأزرق السماوي معظمه، ولا يبقي للأرض سوى صورة معتمة لامرأة تبدو كأنها تتطلع إلى السماء. والديوان معتنى بإخراجه عناية فائقة، فعلى الرغم من أن عدد صفحاته تنيف عن مائة صفحة إلا أنه لا يضم سوى تسع عشرة قصيدة لا يتجاوز أطولها أربعة عشر بيتا، ومقطوعة واحدة. والسبب يعود إلى أن المخرج عمد إلى جعل عنوان كل قصيدة في صفحتين، الأولى تحمل عنوان القصيدة، والثانية فارغة لتبدأ القصيدة في الصفحة اليسرى دائما. تحتل القصائد الخليلية معظم قصائد الديوان؛ ثلاث عشرة قصيدة، فيما بقية القصائد السبع من شهر التفعيلة. أما بحور الديوان فلم تتجاوز ثلاثة بحور هي البسيط والطويل والكامل. وإن كان الشاعر لا يختار بحره ولا رويه لكن في هذا دلالة واضحة على تعلق الشاعرة بالبحور العربية التي كثر تداولها في مدونة الشعر العربي. ويشهد على نزوعها للشعر الأصيل أنَّ نصف القصائد العمودية جاءت مصرعة، وقوافيها مطلقة كلها عدا واحدة مقيدة. ومن مظاهر التجديد في الديوان التي يندر أن نجدها في ديوان آخر؛ اختتامها الديوان ببيتين جعلتهما إهداء لقرائها، لا يعثر عليهما إلا من أتم قراءة الديوان بما في ذلك فهرس محتوياته وكأنها جعلتهما مكافأة للقارئ المثابر! تقول: وشمنا من سنا الأيام ذكرى وشيَّدنا من الآمال قصــرا وأهدينــاكم قلبــا .. رقيقــا رواه الحب حتى قال شعرا تستبشر شاعرتنا وتفرح - كأي نجدي - بهطول المطر، لأنه يعني حياة الأرض والقلوب، وتنفض الرياض على إثره ما علق بها من قتام الخريف، فتستهل قصيدة (رقص مع المطر) دون تمهيد بصورة رائعة لتَكَسُّرِ قطرات المطر على أديم الآرض وكأنها الضوء تعكسه المرآة: كأنما الأرض والغيمات تمطرها بعض المرايا كسرْنَ الضوء في خفرِ فسلسل التبــر خيـط بات ينظمها وقطــرة المــاء، مــع ميَّاســة الشـجر نثـر من اللؤلؤ الماســي يخذلــه زمــرد مــازج الأخــلاط في السّــحَر تَزَيَّنِي يا رياض الحســن إن لكِ عنــد البكــاء جــمــالا بالــغ الخطــر وردِّدي حولنــا أنشــودة كُتبــت لكي تقــول: ســلاما .. يا بني البشر! وتبدو الرومانسية واضحة في قصيدة (رسالة إلى عاشق مسكين) بدْءًا من عنوانها، ثم تصديرها بيت شعر نزاري. ويبدو أن القصيدة موجهة إلى قريبة أو صديقة، قد تكون (شماء) إن أخذنا إيرادها للكلمة على أنه علم لا صفة: أحبك يا شماء لكن حبنا سيهبط من قلب تعذَّبَ بالندمْ لكن شاعرتنا سرعان ما تنتقل من هذا الخطاب الفردي إلى خطاب يشمل العاشقين عامة بمن فيهم الشاعرة: ســـلام، فنحــن العاشــقون غوايــة ونحــن فتــات الحب من زمن القِيَـمْ ســلام لكــل العاشــقين، هَنَاكُــــــم! فنحن أولو النجوى ونحن أولو الظلم ونحن أولو الأحلام، لا شيء بعدها ننــام على غيــم، ونســقط مـن قمــم وحينما تنهي الحديث عن خصائص العاشقين تنتقل لتصف تعامل الأديب مع عبرة الشوق: ونحن إذا هاجت مع الشوق عبرة نجرِّعها جمرًا، ونلقِمُها القلم وتظل البنت صغيرة أمام أمها حتى وإن هاجم البياض خصلات شعرها، ولا تجد من تستغيث به من هجوم الجيش الأبيض سوى أمها: كبرتُ، وضاعت الأحلام من صدري كبرت، وضعت في الدنيا كأني ما ولدت هنا وأن العمر لم يزهر وأني لم أكن في القلب من قلب بلا حب ولا سند ولا رؤية أغيثيني! لأني بنتك الصغرى وأني التوق، والأحلام وأني بهجة الأيام أغيثيني.. ثم تمضي لتقول إن الأيام مرت دون أن نشعر بها لولا أن نبهها البياض: ولم نحسب لهذا اليوم من سلوى وإذ بالعمر ينقلنا من الأوهام للآلام، والنجوى رأينا في مفارقنا طريق الحاضر الماضي سواد الغابر العاتي ولم نهدأ ولم نبدأ بعدة هذه الأعوام إلا حينما غنى بياض الوقت بالشكوى! وتصريح الشواعر بكبر السن وبدء غزو البياض من الموضوعات النادرة في الشعر العربي طوال عصوره، ففي أثناء دراستي عن الشيخوخة في الشعر العربي التي صدرت تحت عنوان: (الشيخوخة في الشعر العربي: أماراتها، نتائجها ومواقف الشعراء منها) عن نادي الطائف الأدبي ومؤسسة الانتشار العربي سنة 2020 لم أعثر إلا على ثلاث شواعر، وفي العصر الحديث لم أجد إلا شاعرتين استشهدت ببعض أبيات قصيدتيهما. ولرفيق العمر نصيبه من الديوان، إذ تبدأ قصيدة (يا رفيق العمر) بالحديث عنه: حبٌّ تربَّع في الفؤاد وفي دمي دفء يغطيني، ويمســك معصـمي حبٌّ يحيل الكون حولي كوكبا متلالئ الأنـــوار، رعــــاش الـفـــم ثم تنتقل لخطابه مباشرة: أنا يا رفيق العمر أبقى طفلـة تهوى الدلال، ولا لغيرك تنتمي أنا يا رفيق العمر درتك التي إنْ صــنتَها أهدتــك لون الأنجــم إني وهبتك من فؤادي عمره ونقشت في عينيّ رســمك فاعلم ومن شعرها العائلي مقطوعة موجهة لابنها (بدر) تقول فيها: شــبهته بالبــدر نــورا ســاطعا وســألت أن يعلـو ولا يتراجــعا فإذا ورثت صــفات أمك كلــها وأخذت من أبك الخصال الأرفعا فانهض إلى المجد العظيم بعزة كالبــدر في كبــد السماء تربعـــا أما قصيدة (القمران) فكتبتها لأبيها وأمها - حفظهما الله – بدأت بأبيها، فقالت: عيناه من فــرط الرضا تتبســم نبض الحياة وروحها والبلسم هل كنتُ إلا قطــعة من قلبــه؟ والقلــب قلب أبـي، فلا أتكلم! يا بيتُ أخبر عن عذوبة صوته بالآي، والأذكــار حين يتمتــم ثم تنتقل إلى أمها لتقول: أمي لها لون الســحاب، وظلــه وقصائد الشعر التي أتجشم حبي لها شوقي ورعشة أحرفي وحكاية الطفل الذي لا يفطم ومن أجمل قصائد الديوان قصيدة (الحب للحب) التي جعلت منها دليلا للمحبين، فشرحت لهم كيف يكون الحب، وما أعذبُه؟ وما أصدقُه؟، وكيف تنمو بذرته في القلبين، وكيف أن الأشواق بين المحبين لا تنتهي: وأعذب الحب ما لفظٌ يتوجِّــهُ وأصدق الحب طرف العين في وطف وبذرةُ الحب في القلبين بينهما إشــارة القدح، مع خطــوات معتـرف ولا نهايــة للأشــواق بينهمــا هل غادر العشق من أطلال منصرف؟ ثم تبين علائم الحب، وأنه ميثاق يسوده الاحترام والرأفة بين الطرفين، لا مجال فيه للظلم والذل، وهو بذل وعطاء واحترام متبادل بين الطرفين: وآيــةُ الحــب .. ميثــاق يُتَوِّجُـهُ محض احترام ووُدٌّ ذاب في رأف وآخر القـول: إن الحب مملكــة مصونة الحصن، والأسوار للسقف لا ذل فيها، ولا إجحاف يسكنها ولا مشــاعر خذلان، مـع الشــغف فالحب بالحب، والأشواق وارفة وللمشــاعر عشــق القلب حين يفي وفي ختام هذا العرض العاجل للديوان أرجو للدكتورة أسماء المزيد من الإبداع، وألا يتأخر استقبالنا لديوانها القادم!