لقد حققت المملكة خلال السنوات الأخيرة نجاحًا استثنائيًا في الحكومة الرقمية، وحظيت تجربتها بإشادة دولية، وحققت مراكز متقدمة في كثير من المؤشرات الدولية. ومع هذا التطور اللافت، وازدياد اعتماد المجتمع على المواقع والمنصات الحكومية، باتت جودة المحتوى أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ لأن المحتوى يمثل جزءًا أصيلًا من الخدمة الحكومية. ولأهمية ذلك، أصدرت هيئة الحكومة الرقمية دليلًا استرشاديًا للمحتوى الرقمي في المواقع الحكومية. ومع ذلك، لا تزال جودة المحتوى في بعض المواقع بحاجة إلى عناية تواكب ما بلغته الحكومة الرقمية من تطور؛ لأن أي خلل فيها ينتقص من قيمة الموقع، ويحد من دوره المرجعي. فالمحتوى من المقومات الأساسية للحوكمة، وإدارة المعرفة، وبناء الثقة. وكلما كانت الجهة مرجعية، تضاعفت مسؤوليتها في أن تقدم محتوى دقيقًا، ومحررًا بعناية؛ لأن الناس من خلالها يبنون معارفهم، ويشكلون تصوراتهم، ويحصلون على كثير من الخدمات التي يحتاجونها. ولأن الهدف من هذا المقال ليس إحصاء الأخطاء أو تقييم الجهات، وإنما توضيح الفكرة، فقد اخترت موقع هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة مثالًا على ذلك، لا لأنه أكثر المواقع احتواءً على الملاحظات، وإنما لأن تخصصي الأكاديمي في فلسفة التربية الخاصة يجعلني أقدر على تقييم محتواه. وكان أول ما لفت انتباهي تعريف اضطراب طيف التوحد، إذ جاء عامًا لا يعكس بدقة كافية طبيعة الاضطراب كما ورد في المراجع العلمية الحديثة. أما النص الذي يليه مباشرة، والمعنون بـ «ما هي علاماته وأعراضه»، فلم يذكر شيئًا من العلامات أو السمات، وإنما اكتفى بإعادة تعريف اضطراب طيف التوحد حرفيًا، دون زيادة أو نقصان. وتكمن أهمية هذه الملاحظة في أنها صدرت عن جهة مرجعية، يُنتظر أن تكون معلوماتها وتعريفاتها من أدق وأوثق ما يُرجع إليه في هذا المجال. كما لاحظت بقاء بعض الإحصاءات المرتبطة بأعوام سابقة دون تحديث؛ إذ يعود بعضها إلى عام 2018، رغم أن المعلومات الإحصائية من أكثر أنواع المحتوى احتياجًا للمراجعة والتحديث الدوري، إلى جانب عدم اتساق المصطلحات؛ إذ ورد في الموقع: «التوحد»، و«طيف التوحد»، و«المشخص بالتوحد». وهذا التفاوت في استخدام المصطلحات ينعكس على اتساق المحتوى، وهي قضية لا تقل أهمية عن دقة المعلومات. ويشير ذلك أيضًا إلى غياب الالتزام بالمصطلحات المعتمدة، وهو المبدأ الذي تتبناه الهيئة، ويتضح ذلك من مسماها: «هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة»، ومن حملتها التوعوية «قولها صح» التي تؤكد أهمية استخدام المصطلحات المعتمدة. ومن الأمثلة على ذلك هذا العنوان: «استشارة عامة: تحديات التي تواجه الأشخاص ذوي اطيف التوحد (النتائج والقرارات)». ويجمع هذا العنوان، إلى جانب ركاكة الصياغة، بين خطأ نحوي وآخر مطبعي. وهذه الأمثلة، على اختلافها، تعود في جوهرها إلى قضية واحدة، هي غياب المراجعة التحريرية المنهجية للمحتوى؛ فالمشكلة ليست في خطأ بعينه، وإنما في غياب منظومة تضمن دقة المحتوى، واتساقه، وتحديثه المستمر. وقد تبدو هذه الملاحظات بسيطة لدى البعض، لكنها في الحقيقة بالغة الأهمية؛ فالمواقع الحكومية واجهة للدولة قبل أن تكون واجهة للمؤسسة. وهي المرجع الذي يعود إليه الباحث، والمعلم، والطالب، والإعلامي. ولذلك فإن أي ملاحظة فيها يعاد إنتاجها في مئات البحوث، والمقالات، والمنصات، والمواد التعليمية، وهذا يعني أن أثرها يمتد إلى أبعد مما نتصور، وعليه يجب أن تكون المراجعة التحريرية جزءًا من منظومة الجودة الرقمية، فالمحتوى هو المحصلة النهائية، وثمرة كل الجهود المبذولة. وهذا ما يوضحه الدليل الاسترشادي لهيئة الحكومة الرقمية حين يصف المحتوى بأنه: «الأداة المنوط بها تحقيق الغاية من إنشاء المواقع والتطبيقات والمنصات الإعلامية وأهدافها الاستراتيجية تجاه الجمهور المُستقبل»