كتاب يجمع بعض مقالات احد رواد الكتابة الصحفية في السعودية، للمقالات نكهة خاصة ، أسلوب أدبى فائق العذوبة، رغم أنه يكتب مقالات سياسية ، لكن غزارة ثقافة الكاتب ، و تمكنه المعرفي، و عنايته بالأسلوب تتجلى في كل سطر من سطور الكتاب، و رغم أن حوالى تسعين من المقالات المائة والخمس التي احتواها الكتاب قد نُشرت بين نهاية عام ١٩٨٦ و نهاية عام ١٩٨٩، الا ان رؤية الكاتب للمستقبل آنذاك تجعل مادة المقالات حية اليوم ، مقالاته عن الإعلام و خاصة ما اسماه بالإعلام الأسود لا تزال تفرض نفسها على المشهد الإعلامي العربي . كما أن ملاحظاته و اماله لمجلس التعاون الخليجي و الجامعة العربية والعمل العربي المشترك ومؤتمراته تشعر القارئ وكأنها كتبت لليوم الذي يقرأها قارئ اليوم ، فرغم مرور مياه كثيرة في النهر إلا أن البيئة و الظروف لا تزال كما هيه « و كأننا يا زيد لا رحنا ولا جينا» ، فحكمة الرواد التى أضاءوا لنا فيها مسارات الواقع الذي كان مستقبلا على عهدهم ، لكن لا يبدو إلا أننا استمتعنا بقراءتها في حينها، ثم طوينا صفحاتها ، و انتهى أمرها للأسف. الأجواء السلبية التي خلقتها تجاوزات مبرمجة لبعض الحجاج في ثمانينيات القرن الماضى تجاوزناها بنجاح على مستوى ادارة الحج في الماضي ، ولكن اقتراحات الكاتب حول مواجهة ما تنذر به من تحديات مستقبلية لم تتحول إلى واقع، فيما تأكد ما حذر الكاتب منه قبل وقوعه . و الكاتب غيور على وطنه غيرة لا تنافسها عنده إلا غيرته على أمته العربية، فسعوديته المخلصة لا تقيم حواجز بينه و بين أمته العربية أو الإسلامية، فهو أكثر فلسطينية من الكثير من أهل فلسطين ، و أكثر مصرية و عراقية و كويتية من أهل كل بلد من هذه البلدان ، لم ير يوما الحدود التى إقامتها اتفاقيات سايكس بيكو ، ولم تعقه حوادث انحراف بعض العرب عن عروبتهم عن أن يتمادى في نصحهم، في شفقة و حب. لعل عبدالله القصبى هو أول من تخصص في الصحافة من أهل السعودية ، نشأ في الزبير، الواحة النجدية في العراق ، حيث درس ، ثم انتقل الى القاهرة ليدرس الصحافة في كلية الآداب جامعة فؤاد الأول قبل أن تصبح جامعة القاهرة و تستقل الصحافة مع الإعلام في كلية مستقلة عن كلية الآداب ، و لكن الكاتب حافظ على أسلوبه الأدبي الرفيع في تحليلاته السياسية و الإعلامية ، شبه الدكتور عبدالله مناع رحمه الله أسلوب القصبي بأسلوب طه حسين في استرسالاته و عذوبتها. ما كاد القصبى ينتهى من مرحلة الماجستير حتى كانت الحياة تأخذه إلى مجال آخر . زار شقراء حيث أصل عائلته ، ثم زار الطائف حيث الحكومة السعودية في الصيف ، هناك التقى مع زملائه عبدالله الطريقى ، و عبدالعزيز المعمر، جمعتهم الزمالة والطموحات الوطنية العريضة ، ذهبوا للتعارف مع الأمير طلال بن عبد العزيز ، فأبلغهم أنه للتو قد عًين وزيرا للمواصلات ، و طلب من القصبى أن يؤجل امتحانه لإنهاء الماجستير و يعمل معه في وزارة المواصلات، و ما انتهت الجلسة حتى تم تكليفه بإقامة تصور لهيكل وزارة المواصلات يصلح لإنجاز ما عليها من مهام، مهام النقل بأصنافه بما فيه البرق والبريد و الهاتف والسكك الحديدية، وما أن بدأ العدد القليل من الموظفين في العمل ، حتى وجد نفسه في مواجهة مع مدير السكة الحديدية الأمريكي المليئ بالصلف ، ثم تعارضت طموحاته الواسعة للمواصلات و مشاريعها المتكاثرة مع أولويات وزارة المالية ، و وزيرها الأديب محمد سرور الصبان. ثم أصبح الأمير سلطان وزيرا للمواصلات فأوكل اليه إعداد مذكرة تفسيرية لميزانية وزارة المواصلات. وجد القصبي نفسه بعدها مرشحا لدراسة إدارة السكك الحديدية في أمريكا ، كانت البعثة ممولة من برنامج «النقطة الرابعة» ، وهو برنامج أمريكي لدعم العالم الثالث، لكن لا يتوقع أن يكون هكذا برنامج خالص البراءة ، و لذا فإن الملك فيصل طلب منه أن ينتقل لبريطانيا ، لدراسة إدارة السكك الحديدية من خلال العمل التطبيقي، و قد كان. صدر نظام المؤسسات الصحفية فعينه وزيرها جميل الحجيلان على رأس مؤسسة المدينة الصحفية ، عاد الى قلمه عودة الحبيب إلى الحبيب. و لكن نكسة ١٩٦٧ أوجعته فكتب مقالا تسبب في إيقافه عن الكتابة ، لم تكن الأجواء العربية تتحمل النقد الصريح الجريح الذي مارسه ، بقي ممنوعا من الكتابة حتى جاء النصر عام ١٩٧٣ ، فعاد الحادى إلى مزماره ، للأسف ليس في الكتاب شيئا من مقالاته في تلك الفترة . لكن فرحته لم تطل ، فقد اغتيل فيصل الذى كان معقد آمال الأمة العربية ، ثم كانت كامب ديفيد التي أخرجت مصر من الصف العربي، ثم كان مؤتمر بغداد الذي أُخرجت فيه مصر من الجامعة العربية ، فاكتملت فرحة أعداء الأمة العربية ، ودع الرجل قلمه الحبيب مختارا مهيض الجناح، ثم جاءت مشاغبات الحجاج الإيرانيين ، و حرب الخليج الأولى، التى دمرت العراق و إيران لصالح الصهاينة ، فعاد عودة الجريح المغترب طالب الشفاء الى موطنه، عاد ليفيض علينا مداد قلبه ، عاد ليساهم في إصلاح ما فسد، و ليعيد تأسيس ما تداعى ، و ليصلح الإعلام الذي يراد له أن يغرق في بحار الرياضة و الترفيه و ينصرف عن الأمة وهمومها ، وبعد سنوات مزدهرة يبدو أنه شعر بأنه أدى الأمانة على أكمل وجه ، فانصرف إلى أعماله الخاصة في بناء الوطن ، لكن الصحافة التى بقيت تشتاق اليه استعادته ليكتب في مجلة اقرأ ، و في تلك الفترة كتب زبدة أفكاره الإعلامية في مقال طويل شامل، لا بد و أن يكون من القراءات الإجبارية لكل من يدرس الإعلام في معاهدنا « الإعلام العربي ومحاذير الإعلام الأسود» . في مقالاته التى علق فيها على العبث المسلح الذي مارسه البعض في موسم الحج، تنبأ بأن هذه بداية عصر من التحديات التى يجب أن نتهيأ لها ، فإن الرخاء المحمود الذي تمتعنا به قد أخذ أجيالنا بعيدا ، و لا بد لتعليمنا و إعلامنا الذي أُعد لزمن الرخاء أن يتعدل ليواجه التحديات التي فرضت نفسها ، لا بد من إعادة التأسيس العقدي و اعتماد التربية الوطنية، واعتماد التجنيد الإجباري ، فإن الدولة قد حملت عبء أيام الرخاء، أما فى ساعة الشدة فقد آن للأبناء أن يحملوا عبء الوطن. كتاباته الغزيرة عن فلسطين تظهر كم كان بها مهموما ، و بأهلها رفيقا ، فإن انتقد لم يجامل و لكن في رفق ، و لا يدع أخطاء الفلسطينيين تعفى الأمة العربية و تعطيها عذرا لتقعد عن نصرتهم ، بل يزيد هذا من مسئولية الأمة العربية التى كلما إستأسد الصهاينة عليها كلما اهتزت فلسطين بالزلازل الصهيونية كلما تهدم البناء العربي من أساسه، وقد تنبأ منذ نصف قرن بأن أمريكا ستصر على قول لا لدولة فلسطينية دون أن تُجبَر على ذلك ، و قد رأينا اليوم بعد أن نجحت السياسة السعودية في إقامة التحالف العالمى من أجل قيام الدولة الفلسطينية انضمت إليها كل الدول ، بمن فيها بريطانيا التى بدأت المأساة ، فقط أمريكا هى التى بقيت على رفضها. كتب القصبي مخالفا الكثيرين في حوارات صحافية ممتدة ، الآخرون يعتقدون أن التحالف الأمريكي اقيم من أجل المصالح المشتركة ، لكنه يرى أن السياسة الأمريكية لا تخدم المصالح الأمريكية و تضر بالشعب الأمريكي ، و لذا فإن على الإعلام العربي تبصير دافع الضرائب الأمريكي و التاجر الأمريكي بخطورة التأييد المطلق لإسرائيل و خطورة النزف المالى الأمريكي من أجل دولة الصهاينة ، و دعا الى التفرقة بين الأمريكان والحكومة الأمريكية. و لئن بدا هذه الكلام للبعض غريبا عند نشره عام ١٩٨٨ فإنه اليوم أكثر وضوحا من أى وقت مضى، وقد تنبأ عند رحيل الفلسطينيين إلى المنافي البعيدة عام ١٩٨٢ أنهم سيبدعون أساليب جديدة في الكفاح ، و جاءت عملية الطائرات الشراعية، ثم الإنتفاضة لتحقق رؤية الرجل الثاقبة، و لذا فإنه خصها بالكثير من المقالات ، و لام الإعلام العربي الذي يكتفي بإذاعة أخبار الانتفاضة في نشرات الاخبار ثم ينصرف إلى الغناء و برامج التسلية التى تنسينا ، فإنه لا بد لكل الإعلام أن يكون موجها لخدمة قضايانا ، لا بأس باغنية ولا مسلسلة و لكن لا للإغراق بل لشحذ الهمم. و هنا يكتب مقالا عن خطاب كتبه له رجل الاقتصاد السعودى الشيخ سليمان الصالح العليان مؤيدا لآراءه و مطالبا له بالتطرق لمزيد من أبعاد الانتفاضة ، وما كان الرجل بحاجة لمن يوصيه و لكن لا بد أن يسعد بتأثير كتاباته، التى يكتبها من منطق « الرائد لا يكذب أهله». بعض مقالات الكتاب تؤكد أن الإعلام العربي كان أقل وعيا بواجبه من رجال الإقتصاد ، فإن آل الجفالى- البيت الإقتصادي المعروف- استضافوا السيناتور الأمريكي بول فندلي ، مؤلف الكتاب المهم ، الذي فضح فيه اللوبي الصهيوني ، «من يجرؤ على الكلام» ، قضى الرجل بضعة أيام يحضر اليه المثقفون للحوار في ديوان آل الجفالي، و لكن ما آلم القصبى أنه لم يُدع إلى ناد ثقافي و لم تستقبله صحيفة و لم تُطلب منه محاضرة، و يعقب بأننا لسنا مثل باقى دول العالم، لا نعتني بأصدقائنا و مؤيدينا ، أما إسرائيل فتعد لمناصريها كل التكريم من دعم حملاتهم الانتخابية حتى حصولهم على جائزة نوبل. في إحدى المقالات قرأت رأيا مخالفا للتيار العام آنذاك ، لكننى رأيت الصواب في رأيه، فقد أعلن الفلسطينيون دولة في المنفى، و دعمتهم القمة العربية ، وطلب الجميع أن يخطب عرفات شارحا قضيته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، نجح العرب في الحصول على دعم العالم لكن أمريكا رفضت إعطاءه التأشيرة ، ثم و مع استمرار الضغط قامت الأمم المتحدة بنقل اجتماعات الجمعية العامة إلى مقرها الأوروبي في جنيف ليتمكن عرفات من القاء خطابه، و عددنا ذلك في حينه نصرا ، لكن القصبى يرى أن هذا لم يكن المطلوب بل كان علينا أن نصر على نيويورك ، فإن الهدف الرئيس لإسرائيل كان ألا يصل الصوت الفلسطيني إلى الشعب الأمريكي، و نجحوا في ذلك ، فإن هدفنا هو الشعب الأمريكي، لأنه من سيحدث الفارق. احتجنا نصف قرن لندرك سداد رأيه. يحتفى الكاتب بالمؤتمرات العربية سواء مؤتمرات مجلس التعاون الخليجي أو مؤتمرات الجامعة العربية من باب حرصه على اجتماع العرب ، وهو حريص على أن تتفادى دول مجلس التعاون ما آلت إليه مؤتمرات الجامعة العربية، ففى رأيه الصائب أن الجيل العربي الصاعد لم يعد يطمئن إلى المؤتمرات العربية، بل يراها مناسبات جيدة لتفريغ شحنات عاطفية من صدور قياداته في سياقات كلامية رائعة ، و هو يرى في كثير منها تبرئة للذمة أمام الجماهير فقط. يقول الرجل هذا عام ١٩٨٨ ، فماذا سيقول لو عاش إلى أيامنا، فحتى مجلة العربي التي كانت تبهجنا صورها الملونة للزعماء العرب في مؤتمرات الجامعة العربية المبكرة ، لم تعد تذكر عنها شيئا ، أصبحت المؤتمرات تبدأ و تنتهى ، و لا نعلم إلا ذكرها في الإعلام العربي الرسمي الذي لم يعد له مكان أمام الإعلام غير الرسمى، الذي يركض خلف الإثارة التى يجدها في مباريات الدوري الأوروبي، أكثر بكثير من مؤتمرات الجامعة العربية. و إذا كان رأي القصبى أن الإعلام العربي شارف على أن يقع في فخ الإعلام الأسود فإن الإعلام العالمى المتصهين أكثر سوءا . في مقالاته لم يمتدح إلا ديغول، و فالدهايم. كتب مقالا يرحب فيه بزيارة فالدهايم للسعودية بلد القيم الإنسانية الرفيعة، استجابة لدعوة من الملك فهد، قدرت له السعودية دوره في الأمم المتحدة ، فقد كان الأمين العام الأقرب لتفهم حقوق الشعب الفلسطيني ، لذلك اتهمته الصهيونية بالنازية، و أعلنته أمريكا رجلا غير مرغوب فيه، يُمنع دخوله لأمريكا، و هنا لا تفوت القصبى المفارقة ، فالمقال ليس مجرد كلمة ترحيبية ، فإن وراء الأكمة ما لا ينساه القصبى أبدا، فهو يذكر بأن شامير زعيم عصابة شتيرن الذي اغتال برنادوت وسيط الأمم المتحدة ، قد أصبح زعيما لدولة الصهاينة التى تمارس إرهاب الدولة ، و تعترف به كل دول العالم، و أصبح شارون سفاح المخيمات زعيما يقترب من رئاسة الوزراء ، بينما يصبح فالدهايم المدافع عن حقوق الانسان متهما، وهكذا يصبح المجرمون الجناة قضاةً يفترون على علم من أعلام الإنسانية. وفي مقال آخر يفضح النوايا الشارونية، فقد نشر شارون مقالا في سبعينيات القرن الماضى قال فيه : ولكى تنتهى القضية الفلسطينية نهائيا ، و لكى تسقط ورقة البترول من أيدى العرب يتوجب على الجيش الإسرائيلى أن يتقدم ويحتل الكويت مرورا بالأردن ، ثم يقول إن الرحلة من عمان إلى الكويت لن تستغرق سوى يومين فما من قوة يمكنها أن توقف زحف الدبابات الإسرائيلية ، وبعد أن تحتل اسرائيل الكويت لن يعود النفط سلاحا عربيا بل نفطا يهوديا، يعلق الكاتب على هذا الصلف الشاروني بما ذكره الفريق الشاذلى قائد الجيش المصري في انتصار ١٩٧٣م ، فقد أصبحت اسرائيل ثالث قوة في العالم، و لولا انشغال العراق بالحرب على ايران لما جرؤ شارون على مجرد التفكير في هذه المغامرة . رحم الله أبا ماجد، ماذا كان تعليقه عندما احتل صدام و ليس شارون الكويت، لقد وقف الرجل مع صدام في حربه ضد الخمينى، فانقض صدام على الكويت ، و انهى كل آمال العرب في الوحدة ربما الى الأبد ، و فقدنا العراق الحبيب، بل اصبحت الساحة العراقية الأردنية ملعبا لإسرائيل وإيران. لا يليق بمقاله الذي شغل أربعين صفحة عن الإعلام الأسود إلا مقالٌ طويل ، بل يستحق أن يُنشر كاملا وعلى حلقات على صفحات اليمامة الغراء، أختم هنا بما ذكره في مقاله عبر حلقتين بعنوان «الروتين بين المواطن و اتخاذ القرار» : سأل أجنبي صاحبه هل سمع عن شركة I.B.M الجديدة في العالم العربي، فأجابه هذا بأنه يعرف أنها شركة كبيرة متخصصة بالتقنية و الحاسب الآلي، فقال صاحبه «ليس هذه أعنى لكننى أعنى الشركة الجديدة فحروفها (تعالى الله عما يقولون) ،I تعنى إن شاء الله ، B تعنى : بكره ، M تعنى معلهش، تلك هى حقيقة تصرفاتنا الإدارية أمام أعدائنا ( إن شاء الله بكرة معلهش) رحم الله أبا ماجد ، و اسكنه الدرجات العلا في الجنة.