الوطنية ليست وجهة نظر.

هناك أفكار يمكن أن نختلف حولها، و هناك مواقف تتبدل بتبدل الظروف، و هناك اجتهادات يملك كل إنسان حق قبولها أو رفضها، لكن الوطنية ليست واحدةً منها، لأنها ليست رأياً سياسياً قابلاً للمساومة، و ليست مزاجاً شخصياً يتغير بحسب الرضا أو الغضب، و ليست موقفاً مؤقتاً من قرار أو مسؤول أو مؤسسة، الوطنية هي الأساس الذي يمنح كل هذه الاختلافات معناها، و يحفظ لها حق الوجود، و يمنعها من التحول إلى فوضى تأكل الجميع. الوطنية ليست وجهة نظر، لأن الوطن ليس طرفاً في جدل، و الدولة ليست خصماً في مناظرة، و السيادة ليست فكرةً مطروحةً للتصويت كل صباح، ثم يُعاد النظر فيها كل مساء، هناك فرقٌ هائل بين أن تختلف داخل وطنك، و أن تختلف على وطنك، الأول حق، و الثاني انتحار سياسي و اجتماعي، لأن من يهدم المرجعية التي تحمي اختلافه، يهدم بيده المساحة التي سمحت له أن يتكلم. المشكلة أن بعض الخطابات الحديثة نجحت في إخفاء هذا الفرق، حتى أصبح كل تجاوز يُقدَّم بوصفه رأياً، و كل إساءة تُسوَّق باعتبارها نقداً، و كل تشكيك في شرعية الدولة يُحمى خلف عبارة «حرية التعبير»، و هنا تبدأ المنطقة المظلمة، عندما تتحول اللغة من أداة للفهم إلى وسيلة للتمويه، و عندما يُلبس الهدم ثياب الإصلاح، و يُقدَّم العبث بوصفه شجاعة، و يُصوَّر الولاء كأنه نقص في الوعي. ليست الوطنية تصفيقاً دائماً، و ليست إنكاراً للأخطاء، و ليست تعطيلاً للعقل، و لا يمكن أن تكون كذلك، لأن الدولة التي تثق بمواطنيها لا تخشى السؤال، و الدولة التي تمتلك مشروعاً حقيقياً لا تنزعج من النقد المسؤول، لكن النقد شيء، و إسقاط الثقة بالدولة شيء آخر، النقد يحدد الخطأ، و يقترح الإصلاح، و يحافظ على أصل البناء، أما الهدم فيحوّل الخطأ إلى ذريعة لنسف الكيان كله، و يجعل من كل حادثة دليلاً على بطلان الدولة، و من كل قصور حجةً لإلغاء منجزاتها، و من كل غضب شخصي قضيةً سيادية، و الفارق العملي بينهما لا يُقاس بحدة اللهجة، بل بالوجهة، النقد يسأل: كيف نُصلح؟ و الهدم يسأل: كيف نُسقط؟ هنا يجب أن نضع خطاً واضحاً لا يحتمل الميوعة، المؤسسة قد تخطئ، و المسؤول قد يقصر، و النظام قد يحتاج إلى تطوير، لكن الوطن لا يصبح موضع اتهام بسبب خطأ موظف، و الدولة لا تُختزل في واقعة، و القيادة لا تُقاس بانفعال لحظي على منصة، من لا يعرف هذا الفرق، قد يتحول من ناقد يبحث عن الإصلاح إلى أداة تهدم المعنى الأكبر من حيث لا يشعر، و لكن هذا الخط لا يُصان من جهة واحدة، فكما لا يجوز أن يتحول النقد إلى هدمٍ للشرعية، لا يجوز أن تتحول لغة السيادة إلى غطاء يحتمي به التقصير من المساءلة، فالشرعية ليست ملكاً لمسؤول يحتمي بها، بل هي المظلة التي تحمي المجتمع كله، و من يوظّف خطاب الوطن ليُسكت نقداً مشروعاً، يسيء إلى الوطن بقدر من يوظّف خطاب الرأي ليهدم شرعيته. أخطر ما تواجهه الوطنية اليوم ليس العداء الصريح، لأن العدو الصريح معروف، و يمكن مواجهته، الأخطر هو المواطن الذي يخلط بين كرامته الشخصية و سيادة الدولة، فإذا غضب من إجراء، خاصم الوطن، و إذا اختلف مع مسؤول، جعل الدولة كلها خصماً، و إذا لم تتحقق رغبته، قرر أن كل شيء فاسد، هذا المواطن لا يحتاج خصوم الدولة إلى تجنيده، يكفي أن يتركوه لغضبه، و سيقوم بالباقي وحده. و المنطقة الأكثر ظلمةً هي حين يتحول الإحباط الشخصي إلى موقف وطني، هنا لا يعود الإنسان قادراً على رؤية وطنه إلا من خلال جرحه، فيصبح الحكم على الدولة امتداداً لمزاجه، و يصبح الولاء مشروطاً بأن تسير الحياة كما يريد، و هذه ليست وطنية، بل صفقة، و الوطن لا يُحب بعقد منفعة، و لا تُقاس قيمته بما حصل عليه الفرد هذا الأسبوع أو خسره ذلك الشهر. الوطنية الحقيقية تظهر عندما تُختبر، لا عندما تكون الأمور سهلة، تظهر حين لا يعجبك القرار، لكنك تفهم أن للدولة اعتبارات أوسع من رغبتك، و حين ترى خطأً، فتطالب بتصحيحه دون أن تمنح خصوم وطنك مادةً لهدمه، و حين تختلف مع مسؤول، فلا تحول اختلافك معه إلى خصومة مع النظام، و حين يغريك التصفيق الرقمي، فتختار موقفاً يحفظ وطنك، لا موقفاً يرفع حضورك. في المملكة العربية السعودية، الوطنية ليست شعاراً طارئاً، بل امتداد لتاريخ قامت فيه الدولة على وحدة المرجعية، و البيعة، و حفظ الأمن، فحمت الدين، و صانت المجتمع من التمزق. هذه ليست تفاصيل شكلية تُذكر في المناسبات، بل هي جوهر التجربة السعودية نفسها، لأن هذه البلاد لم تتكوّن من فراغ، و لم تستقر بالمصادفة، و لم تصنع مكانتها بخطابات عاطفية. هي نتاج مشروع دولة عرف مبكراً ثلاث حقائق، أن الوحدة لا تعيش دون قيادة، و أن الأمن لا يُحفظ دون شرعية، و أن المجتمع لا يستقر إذا أصبحت كل جماعة مرجعيتها الخاصة. غير أن الوطنية السعودية ليست انفعالاً موسمياً، و ليست مناسبةً مرتبطةً بعلم أو نشيد، بل هي فهم عميق لقيمة الدولة، و إدراك لثمن الفوضى، و وعي بما حولنا من تجارب سقطت فيها الأوطان عندما ظن بعض أبنائها أن الدولة مجرد وجهة نظر، و أن بإمكانهم هدمها ثم إعادة بنائها وفق أحلامهم، لكن الدول لا تُعاد بسهولة، و الأوطان إذا دخلت الفوضى لا تعود كما كانت، و التاريخ مليء بشعوب خرجت تطالب بإصلاح جزئي، ثم استيقظت على وطن كامل ينهار. الفوضى تبدأ غالباً بجملة تبدو بريئة: «أنا فقط أقول رأيي»، لكن الفوضى لا تبدأ من الجملة نفسها، بل من اللحظة التي تتحول فيها إلى غطاء دائم يُستدعى مع كل تصعيد ليبرره، مع أول تشكيك، ثم مع أول تحريض، ثم مع نزع الشرعية، ثم مع تبرير الخارج، حتى يصل الإنسان إلى خيانة المعنى الوطني نفسه، و هو في كل مرحلة ما يزال يردد العبارة ذاتها، لا لأنها بقيت صادقة، بل لأنها أصبحت العذر الذي يعفيه من رؤية المسافة التي قطعها، فالفارق ليس في أول كلمة تُقال، بل في الاتجاه الذي تسير إليه، هل تبقى الكلمة إصلاحاً داخل البيت، أم تتحول تمهيداً لهدمه؟ هناك من يحاول تصوير الوطنية باعتبارها قيداً على التفكير، و هذه واحدة من أخطر الأكاذيب، الوطنية ليست قيداً، بل هي شرط التفكير المسؤول، لأن الإنسان لا يصبح حراً حين يهدم وطنه، بل يصبح مكشوفاً، و لا يصبح مستقلاً حين يطعن مؤسساته، بل يصبح تابعاً لمن يملك المنصة، و التمويل، و الرواية البديلة، و أخطر التبعيات تلك التي يظن صاحبها أنها حرية. المواطن الوطني ليس هو الذي يصفق لكل شيء، بل الذي يعرف أين يضع اعتراضه، و كيف يحفظ أثر كلمته، و متى يفرق بين حقه الشخصي و المصلحة العامة، و متى يفهم أن الدولة ليست ملزمة بإرضاء الجميع، لكنها ملزمة بحماية الجميع، و هذه الحماية قد تقتضي أحياناً قرارات لا تُفهم فوراً، و مواقف لا تُشرح كلها، و صبراً لا يملكه أصحاب الأحكام السريعة. الوطنية أخلاق موقف، و انضباط وعي، و مسؤولية كلمة، و قدرة على رؤية الصورة الكبرى، و ليست ثوباً نرتديه أمام الناس ثم ننزعه في الخفاء، و ليست كلمات تُكتب في اليوم الوطني ثم تُنسى عند أول خلاف، و حين يصبح الولاء تابعاً للمزاج، لا يبقى ولاء، بل مصلحة متنكرة. لهذا يجب أن نقولها بوضوح، قد تختلف مع الجميع داخل وطنك، فهذا حقك، لكنك لا تقف محايداً حين يكون الوطن نفسه طرفاً، فالوطنية ليست حياداً بين وطنك و خصمه، و لا مساحة رمادية بين دولتك و من يريد إضعافها، و لا لعبة توازنات شخصية، لأن التردد في هذه اللحظة ليس حكمة، و الصمت ليس دائماً براءة، و الحياد قد يتحول إلى خدمة مجانية لمن يتربص بالدولة. في السعودية، لنا أن نختلف في التفاصيل، و أن نناقش الأداء، و أن نطالب بالمزيد، و أن ننتقد التقصير، لكن ليس لنا أن نتعامل مع الوطن كأنه خيار قابل للتبديل، و لا مع الدولة كأنها رأي بين آراء، و لا مع القيادة كأنها موضوع موسمي للنقاش، لأن وراء هذه الدولة تاريخاً، و شرعيةً، و عقداً وطنياً، و مستقبلاً لأجيال لم تولد بعد. الوطنية ليست وجهة نظر، لأنها إذا أصبحت كذلك، صار الوطن نفسه احتمالاً، و الدولة احتمالاً، و السيادة احتمالاً، و عندها لا يبقى شيء ثابت يحمي الناس من بعضهم، و لا قانون يعلو على الأهواء، و لا مرجعية توقف شهوة الفوضى. الوطنية هي أن تعرف أن الدولة قد تُراجع، لكنها لا تُساوَم، و أن المسؤول قد يُحاسب، لكن الوطن لا يُهان، و أن الرأي حق، لكن السيادة ليست موضوعاً للرأي. كل شيء قابل للنقاش، إلا أن يكون وطنك هو ثمن النقاش.