حين ارتدى الأدب سماعة.
لو عاد الجاحظ اليوم، فلن يبحث عن الورّاقين، بل عن منصة تستضيفه ساعة كاملة، ثم تقطع حديثه إلى عشرين مقطعًا قصيرًا، لكل واحد منها عنوان مثير، قبل أن يكتشف، على الأرجح، أن أكثر ما لفت الأنظار ليس فكرته، بل طريقته في إلقائها! ليس هذا رثاءً للماضي، فالأزمنة لا تعود، والوسائط لا تعرف الحنين ، لكنه تأمل في مشهد تبدلت فيه العلاقة بين الأدب وجمهوره ، فلم يعد الأدب يطرق باب القارئ كما اعتاد، بل صار يصل إليه عبر سماعات الأذن، وبين تنبيه وآخر، وفي زحام منصات تتنافس على كل شيء، إلا الصمت الذي تحتاجه القراءة! الأدب لم يفقد صوته، لكنه صار يُسمع أكثر مما يُقرأ ، والمفارقة أن المسموع ليس الأدب، بل الحديث عنه ، نستمع إلى ساعات من الحوارات حول رواية لم نقرأها، ونتابع نقاشًا طويلًا عن قصيدة لم تقع عليها أعيننا. نعرف كيف كتب الروائي عمله، وأين كانت لحظة الإلهام، وما الموسيقى التي كان يسمعها أثناء الكتابة، لكننا نخرج من الحلقة دون أن نحمل معنا جملة واحدة من الرواية نفسها ، وكأن النص أصبح مناسبة، لا مركز الحكاية! وليس في البودكاست، ولا في المساحات الصوتية، ولا في المنصات الرقمية ما يدعو إلى الارتياب ، فكل عصر يصنع منبره، كما صنع قبله الصحيفة والمجلة والإذاعة. غير أن المنبر، حين يطول وقوفه، ينسى أحيانًا أن مهمته حمل الفكرة، لا منافستها. الخوارزميات لا تعرف الأدب، لكنها تعرف الجمهور جيدًا و ولا تسأل: أي النصوص أبقى؟ بل: أيها أسرع انتشارًا؟ وهي، بطبيعتها، تنحاز إلى اللمعة لا إلى الضوء، وإلى العبارة التي تُقتطع بسهولة، لا إلى الفكرة التي تحتاج قارئًا يصبر عليها.. ولذلك يبدو الكاتب، في هذا السوق، مطالبًا بأن يختصر الغابة كلها في شجرة، ثم يختصر الشجرة في ورقة، ثم يختصر الورقة في عنوان. حتى الملتقيات الثقافية لم تنجُ تمامًا من هذه العدوى ، فقد أصبح بعضُها يفتش عن الاسم الذي يجذب الكاميرا، قبل أن يفتش عن التجربة التي تستحق المنصة ، ولم يعد نجاح الأمسية يقاس بما أثارته من أسئلة، بل بما حصدته من مشاهدات ، أما التصفيق، فقد صار أحيانًا أسرع من التأمل، والصورة الجماعية أطول عمرًا من الفكرة التي قيلت فوق المسرح. ثم انسحب الإعلام الثقافي التقليدي بهدوء، كشيخ مكتبة أغلق الباب آخر النهار ومضى. غابت الملاحق التي كانت تمنح الكتاب فرصة ليُقرأ قبل أن يُحتفى به، وتراجعت البرامج التي كانت تحاور النص قبل صاحبه ، وما إن خلا المكان، حتى تقدمت الخوارزمية لتتولى، بثقة مدهشة، دور المحرر والناقد والمسوّق معًا؛ فهي لا تميز بين كتاب يضيف إلى الوعي، وآخر يضيف إلى قائمة الأكثر تداولًا. ولم يكن بعض المثقفين بعيدين عن هذه اللعبة. فشيئًا فشيئًا، صار الظهور يزاحم الإنجاز، وأصبح بعضهم يكتب بعين على الصفحة، وأخرى على الكاميرا.. ولم يعد مستغربًا أن يحفظ الناس نبرة الكاتب أكثر مما يحفظون عبارته، أو أن يصبح حسن الأداء أمام الميكروفون فضيلة أدبية مستحدثة، لم يعرفها العقاد، ولا احتاج إليها طه حسين! ومع ذلك، سيكون من السذاجة إعلان الهزيمة ، فالأدب عبر تاريخه أطول عمرًا من وسائطه؛ نجا من تبدل الورق، ومن انقراض المنابر، ومن ضجيج العصور، لأنه لم يكن يومًا ابن الوسيلة، بل ابن اللغة. قد تكسب الخوارزمية سباق الانتشار، لكنها لا تعرف كيف تصنع أثرًا يبقى بعد أن يخفت الضجيج. يبقى الخوف الحقيقي في مكان آخر؛ أن نكتفي بالحديث عن الأدب حتى ننسى الأدب نفسه، وأن تتحول القراءة إلى خبرة سمعية، كما لو أن رائحة القهوة يمكن أن تُغني عن احتسائها. وعندها، لن تكون الخوارزمية قد هزمت المكتبة، بل سنكون نحن من غادرها، على أمل أن نجد بين سماعاتنا ما كانت تمنحه لنا الصفحات.