لا تبدأ الجامعات من الحجر، وإنما من الفكرة التي تحملها. فالمباني تُشيَّد في سنوات قليلة، أما الهوية فتحتاج إلى زمن أطول، وإلى أشخاص يعرفون كيف تتحول الأحلام الكبيرة إلى واقع قابل للحياة. ولهذا، فإن الاسم الذي يتولى قيادة مؤسسة في لحظة تأسيسها يصبح جزءاً من تعريفها، ويشارك في رسم ملامحها الأولى، وربما بقي أثره فيها بعد أن يغادرها بسنوات. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى قرار سموّ وزير الثقافة بتكليف الدكتور محمد حسن علوان برئاسة جامعة الرياض للفنون. فالقرار لا يتعلق بتغيير إداري، بقدر ما يعكس تصوراً لطبيعة المرحلة التي تعيشها الثقافة السعودية، وللصفات التي تحتاجها المؤسسات الجديدة وهي تضع لبناتها الأولى. فالجامعة التي تستعد لاستقبال جيل من الفنانين والموسيقيين والممثلين والمخرجين والمصممين، تحتاج قبل كل شيء إلى عقل يفهم الإبداع بوصفه معرفة، ويعرف أن الفن لا يُدرَّس بالمناهج وحدها، وإنما بالمناخ الذي يسمح للموهبة أن تنمو، وللفكرة أن تجد مكانها. حين يُذكر اسم محمد حسن علوان، تقفز إلى الذهن «موت صغير»، والجائزة العالمية للرواية العربية، وحضور روائي امتد إلى خارج الحدود السعودية. غير أن تلك الصورة، على أهميتها، لا تختصر الرجل. فخلف الكاتب تقف تجربة طويلة من الانشغال بالثقافة، قراءةً، وكتابةً، وإدارةً، وإسهاماً في بناء مؤسساتها. وما يلفت الانتباه في هذه الرحلة أنها لم تعرف القفزات المفاجئة، بل قامت على التراكم؛ خطوة تفضي إلى أخرى، وتجربة تفتح الباب لما بعدها، حتى بدا المسار كله وكأنه مشروع واحد، تتعدد وجوهه ولا تتغير روحه. ولد علوان في الرياض عام 1979، وفي سنوات مبكرة وجد طريقه إلى الرواية، حاملاً معه حساسية مختلفة تجاه الإنسان. لم يكن مشغولاً بالحبكات الصاخبة، ولا بالشخصيات الخارقة، ولا بالمغامرات التي تُبهر القارئ لصفحات قليلة. كان يبحث عن الإنسان حين ينفرد بنفسه، وعن تلك الأسئلة التي تطرق الأبواب بصمت، وتبقى في الداخل زمناً طويلاً. لذلك جاءت أعماله الأولى أقرب إلى تأملات ممتدة في الوحدة، والحنين، والهوية، والعلاقة المعقدة بين الذاكرة والزمن. توالت الروايات، من «سقف الكفاية» إلى «صوفيا»، ثم «طوق الطهارة» و»القندس»، ولم يكن بينها عمل يشبه الآخر. كانت التجربة تنمو مع كل إصدار، وكأن الكاتب يختبر في كل مرة مساحة جديدة، ويعيد اكتشاف أدواته من البداية. ذلك الميل إلى التجدد منح مشروعه حيوية نادرة، وأبعده عن تكرار النجاحات السابقة، وهي آفة يقع فيها كثير من الروائيين بعد العمل الأول أو الثاني. وجاءت «موت صغير» لتضع اسمه في قلب المشهد العربي. لم يكن الرهان سهلاً، فشخصية محيي الدين بن عربي تقف عند تقاطع التاريخ والفلسفة والتصوف، والاقتراب منها يحتاج إلى معرفة واسعة، وخيال قادر على إعادة تشكيلها أدبياً. خرجت الرواية عملًا يوازن بين البحث التاريخي والابتكار السردي، حتى بدت سيرةً تُقرأ كرواية، وروايةً تحمل عمق السيرة. وعندما نالت الجائزة العالمية للرواية العربية، كان الاحتفاء بها احتفاءً بقدرة الرواية السعودية على الوصول إلى فضاء عربي أرحب، وبكاتب اختار الطريق الأصعب، ثم مضى فيه بثقة. ومع اتساع حضوره الأدبي، اتسعت مسؤوليته الثقافية أيضاً. دخل العمل المؤسسي في مرحلة شهدت فيها المملكة تحولاً نوعياً في نظرتها إلى الثقافة، بعد أن أصبحت جزءاً أصيلاً من رؤية 2030، وعنصراً فاعلاً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي تلك السنوات، شارك علوان في قيادة مؤسسات معنية بالأدب، والنشر، والترجمة، والمسرح، وأسهم في إطلاق برامج ومبادرات هدفت إلى بناء بيئة ثقافية أكثر اتساعاً واحترافية. وتكشف هذه التجربة جانباً مهماً من شخصيته. فالرجل لا ينظر إلى الثقافة بوصفها نشاطاً فردياً ينتهي عند حدود الكتاب، وإنما يراها منظومة تبدأ بالتعليم، وتمتد إلى النشر، والترجمة، والبحث، والتمويل، والفرص المهنية، والحضور الدولي. لذلك كان انتقاله بين المواقع المختلفة انتقالاً داخل الفكرة نفسها، لا انتقالاً بين عوالم متباعدة. ولعل هذا ما يمنح جامعة الرياض للفنون أهمية استثنائية. فهي لا تضيف مؤسسة تعليمية جديدة إلى خارطة الجامعات السعودية، بل تؤسس لمسار أكاديمي يواكب التحول الذي يشهده القطاع الثقافي، ويعمل على إعداد كوادر قادرة على قيادة الصناعات الإبداعية في العقود المقبلة. فالفنان اليوم لا يعمل في عزلة، والمسرحي لا يقف على خشبة المسرح وحدها، والموسيقي جزء من اقتصاد كامل، والمصمم شريك في صناعة الصورة، والسينما أصبحت قطاعاً إنتاجياً متكاملاً. وكل ذلك يحتاج إلى تعليم متخصص، وإلى بيئة جامعية تواكب هذا الاتساع. وهنا تتقاطع سيرة محمد حسن علوان مع فكرة الجامعة. فمن يقرأ أعماله يلحظ إيماناً دائماً بقيمة المعرفة، وبأن الإبداع لا يولد من الموهبة وحدها، وإنما من القراءة، والانضباط، والاحتكاك بالتجارب الإنسانية. وهذه هي الفكرة ذاتها التي تقوم عليها الجامعات؛ تحويل الشغف إلى علم، والموهبة إلى احتراف، والقدرة الفردية إلى مشروع يمكن أن يترك أثراً في المجتمع. وليس من المصادفة أن يحافظ علوان، طوال سنوات حضوره، على مسافة بينه وبين الصخب. لم تُعرف عنه المعارك الإعلامية، ولا التصريحات الباحثة عن الإثارة. ترك كتبه تتحدث، ثم ترك أعماله المؤسسية تؤكد ما كتبته الروايات عن شخصية تؤمن بأن الإنجاز الهادئ أكثر رسوخاً من الحضور المؤقت. وربما لهذا اكتسب احتراماً يتجاوز حدود القراء إلى العاملين في الشأن الثقافي أنفسهم. عندما يُكتب تاريخ التحول الثقافي في المملكة، ستظهر أسماء كثيرة أسهمت في رسم ملامحه، كل من موقعه. وسيكون محمد حسن علوان واحداً من تلك الأسماء، لأنه جمع بين التجربة الإبداعية والخبرة المؤسسية في مرحلة كانت الثقافة تعيد فيها تعريف نفسها، وتعيد صياغة علاقتها بالمجتمع، وبالاقتصاد، وبالتعليم. أما اليوم، فإن الصفحة الجديدة التي يفتحها مع جامعة الرياض للفنون تبدو امتداداً طبيعياً لكل ما سبقها. فالكاتب الذي قضى سنواته يبحث عن الإنسان في صفحات الرواية، يجد نفسه أمام مهمة من نوع آخر، الإسهام في إعداد أجيال تحمل الفن بوصفه علماً، ومسؤولية، ورسالة. وتلك رحلة مختلفة في تفاصيلها، لكنها تلتقي مع الرحلة الأولى في نقطة واحدة: الإيمان بأن الأفكار العظيمة تستحق أن تجد بيتاً يليق بها، وأن الثقافة تزداد قوة كلما أصبحت جزءاً من حياة الناس، ومن تعليمهم، ومن مستقبلهم. * كاتب وصحافي سعودي