الحياة التي عشناها... والحياة التي كان يمكن أن نعيشها..

كم نسخة منا لم تولد قط؟

ليس لأننا لم نمتلك الشجاعة، ولا لأننا أخطأنا الطريق، بل لأن الحياة، في لحظات قليلة وحاسمة، اختارت معنا طريقًا واحدًا، وتركت بقية الطرق معلقة في مكان لا نصل إليه إلا بخيالنا. حين أفكر في الحياة التي كان يمكن أن أعيشها، لا أتخيل امرأة أخرى تختلف عني في القيم أو المبادئ أو طريقة النظر إلى العالم، بل أتخيلني أنا نفسها، لكن في زمن آخر، أو مدينة أخرى، أو بين أشخاص مختلفين، أو بعد قرار واحد اتخذ منحًى آخر. وأتساءل: كم من تفاصيل شخصيتنا صنعته اختياراتنا، وكم منها صنعته الظروف التي لم نخترها أصلًا؟ لهذا أؤمن أن داخل كل إنسان نسخًا عديدة لم تولد أبدًا. لا لأنها كانت مستحيلة، بل لأن الحياة لا تمنحنا إلا فرصة واحدة لنعيش، بينما تمنح خيالنا آلاف الحيوات. ومع ذلك، لا أشعر بالحسرة على تلك الحيوات، ولا بالامتنان لأنها لم تحدث. علاقتي بها أقرب إلى الحياد. فهي ليست أفضل من حياتي، وليست أسوأ منها. إنها فقط... احتمالات لم تتح لها فرصة أن تُختبر. ربما لهذا السبب يلاحقنا سؤال: ماذا لو؟ ليس لأننا نرفض واقعنا، بل لأن العقل البشري مولع بالاحتمالات. يريد دائمًا أن ينظر إلى الطريق الذي لم يسلكه، وأن يتخيل ما كان يمكن أن ينتظره هناك. غير أن هذه الطرق تبدو في خيالنا أكثر صفاءً مما كانت ستكون عليه في الحقيقة، لأنها لم تعش ما عشناه من تعب، ولم ترتكب أخطاءها بعد. كل إنسان يمر في حياته بلحظات مفصلية، لحظات يدرك بعدها أن ما سيأتي لن يشبه ما سبق. في تلك اللحظات لا نتخذ قرارًا فحسب، بل نغلق، دون أن نشعر، عشرات الأبواب الأخرى. ومنذ تلك اللحظة، تصبح مسؤولية الطريق الذي اخترناه جزءًا من مسؤولية أن نصنع أنفسنا. ولهذا لا أعتقد أن الشخصية وحدها تصنع القرار، ولا أن القرار وحده يصنع الشخصية. العلاقة بينهما أشبه بحوار طويل؛ الشخصية تقودنا إلى الاختيار، ثم يعود الاختيار ليعيد تشكيل الشخصية من جديد. ومع مرور السنوات، أكتشف أن الحياة التي لم نعشها لا تختفي تمامًا. إنها تعيش في أماكن مختلفة من داخلنا؛ في لحظة تأمل، أو أثناء الكتابة، أو بين صفحات كتاب، أو أمام لوحة فنية، أو في عناية هادئة بأنفسنا، أو حتى في حلم عابر لا يلبث أن يتلاشى مع الصباح. لكن أخطر ما في تلك الحيوات أنها لا تخطئ في خيالنا أبدًا. تبقى كاملة، نقية، لا تشيخ، ولا تفشل، ولا تخيب آمالنا. ولهذا قد تبدو أجمل من حياتنا، لا لأنها كذلك فعلًا، بل لأنها لم تتح لها فرصة أن تواجه الواقع. ولو طُلب مني أن أرسم تلك الحياة التي لم أعشها، لما رسمت مدينة أو طريقًا أو بيتًا قديمًا. سأرسم بلورة ضخمة، معلقة بين السماء والأرض، ينسكب منها ضوء بعيد. تبدو قريبة، لكنها لا تسمح لأحد بأن يرى ما في داخلها. لا نعرف إن كانت تخفي فردوسًا أم خيبة، ولهذا نستمر في تأملها. ولو دخلت غرفة تجمع جميع الحيوات التي كان يمكن أن أعيشها، فلن أبحث عن الوجوه، بل سأرى أبوابًا كثيرة، كلها مغلقة. وسأدرك أن جمالها لا يكمن فيما خلفها، بل في أنها ستظل أسئلة لا إجابات. وربما لهذا لن أطلب يومًا أن ألتقي تلك النسخة الأخرى مني. ليس خوفًا منها، بل لأنني تعلمت أن الرضا لا يعني أن أقتنع بأن حياتي كانت الأفضل، وإنما أن أتوقف عن محاكمة حياتي بما لم يحدث. فكل حياة تحمل أفراحها وأثقالها، وما يبدو لنا من بعيد كاملًا، ربما لو عشنا تفاصيله لاشتهينا طريقًا آخر أيضًا. في النهاية، لسنا أبناء اختياراتنا وحدها، ولا أبناء ظروفنا وحدها، بل أبناء الطريقة التي فهمنا بها كل ما مر بنا. فالحياة لا تُقاس بعدد الطرق التي أُغلقت، بل بالمعنى الذي منحناه للطريق الذي بقينا نسير فيه. ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه ليس أن نعرف كيف كانت ستبدو حياتنا الأخرى، بل أن نحسن عيش الحياة التي بين أيدينا، لأنها الوحيدة التي منحتنا فرصة أن نخطئ، ونتعلم، ونسامح، وننضج، ونصبح أنفسنا. وربما، في نهاية الأمر، ليست الحياة التي لم نعشها هي التي تستحق التأمل أكثر... بل الإنسان الذي أصبحناه ونحن نودعها بصمت، ونواصل السير.