من يكتشف الكاتب قبل شهرته؟

حين قرأ بيلينسكي مخطوطة «الفقراء» لدوستويفسكي قبل نشرها، لم يكن يقرأ نصًا عاديًا، بل كان يكتشف روائيًا سيصبح أحد أعظم الروائيين في تاريخ الأدب. وقال له: «سيأتي على روسيا روائيون كثيرون، وستنسى روسيا معظمهم، أما أنت فلن تنساك روسيا أبدًا، لأنك روائي عظيم». ولم يكن بيلينسكي وحده من أدرك قيمة دوستويفسكي؛ فقد حمل الشاعر نيكراسوف مخطوطة «الفقراء» إليه وهو يهتف: «لقد نشأ غوغول جديد!». لم ينتظر الرجلان حتى تصنع الشهرة اسم دوستويفسكي، بل أسهما في ترسيخ الثقة بموهبته منذ اللحظة الأولى. وهنا تتجلى الوظيفة الحقيقية للنقد الأدبي: أن يرى في البدايات ما قد لا يراه الآخرون إلا بعد سنوات. وللتاريخ الأدبي العربي شواهده أيضًا؛ فقد أسهم نقاد وأدباء كبار في اكتشاف أصوات جديدة والإيمان بها منذ بداياتها. ويُروى أن غازي القصيبي، بعد صدور الرواية الأولى للروائي السعودي عبده خال «الموت يمر من هنا»، قال: «أبعدوا هذا الموهوب عني». ولم تكن تلك العبارة مجرد ثناء عابر، بل كانت شهادة مبكرة من قامة أدبية كبيرة أسهمت في ترسيخ الثقة بتجربة روائية واعدة، وقدّمت مثالًا على الدور الذي يمكن أن يؤديه النقاد والمبدعون في اكتشاف المواهب ودعمها قبل أن تصنعها الشهرة. غير أن هذه الشواهد التاريخية لا تروي حكايات نجاح فردية فحسب، بل تدفعنا إلى التأمل في حاضرنا الثقافي. ففي المشهد الثقافي العربي المعاصر، تتسارع حركة النشر، وتتضاعف الأصوات، وتزدحم المنصات الرقمية بالإصدارات والتجارب الأدبية. وقد أتاحت هذه المنصات فرصًا واسعة للنشر والوصول إلى القراء، غير أنها في الوقت نفسه أضعفت، في كثير من الأحيان، سلطة التقييم المهني، حتى غدا انتشار بعض الأعمال يتأثر بالعلاقات الشخصية والمجاملات الثقافية أكثر من قيمتها الفنية. وفي خضم هذا الحراك الثقافي، يفرض السؤال نفسه: أين الناقد القادر على التمييز بين النص العابر والعمل الإبداعي الحقيقي؟ لقد جعل هذا الواقع استقبال كثير من الأعمال يتأثر أحيانًا بالمجاملات الثقافية، فنالت بعض النصوص اهتمامًا يفوق قيمتها الفنية، بينما مرّت أعمال أخرى رفيعة المستوى بعيدًا عن دائرة الضوء. كما انصرف جانبٌ من الممارسة النقدية إلى قراءاتٍ تأتي بعد انتشار النصوص، بدلًا من مرافقتها في بداياتها. وبذلك تراجع أحد أهم أدوار النقد: اكتشاف المواهب مبكرًا ورعايتها. الموهبة الأدبية في العالم العربي وفيرة، لكنها كثيرًا ما تشق طريقها وحدها. فالقضية ليست في وفرة النصوص، بل في وجود القارئ الخبير القادر على اكتشاف العمل الأصيل قبل أن يفرض حضوره أو يعرفه الجمهور. فالنقد لا ينتظر نجاح الكاتب، بل يسهم في صناعته. غير أن هذا الدور ليس مهمةً يسيرة؛ فهو يتطلب شجاعةً أدبيةً بقدر ما يتطلب خبرةً نقدية. فالناقد حين يراهن على موهبةٍ لم تُعرف بعد، إنما يغامر بمكانته النقدية عندما يدافع عن نصٍ لم يمنحه الزمن شرعيته بعد، وقد يجد نفسه في مواجهة الذائقة السائدة أو الأحكام المسبقة. فالناقد الحقيقي لا يقرأ شهرة الكاتب، بل يقرأ المستقبل الكامن في نصه. وتتطلب استعادة هذا الدور مبادرات ثقافية جادة تُعنى بقراءة الأعمال الجديدة، وتشجيع الدراسات النقدية التي تواكب البدايات الأدبية، وفتح المجال أمام الأصوات الواعدة لتُقرأ وفق قيمتها الفنية، لا وفق حضور أصحابها أو شهرتهم. فعندما يصبح الاهتمام بالمواهب الجديدة جزءًا أصيلًا من العمل الثقافي، يجد الإبداع الجاد طريقه إلى القارئ، وتتجدد الحركة الأدبية بأقلام تجد من يقرأها بإنصاف. إن أدبنا العربي مليء بالطاقات الكامنة والأقلام الواعدة التي تنتظر عينًا ناقدة تمتلك شجاعة الاكتشاف وصدق القراءة. ولن تستعيد الحركة الأدبية حيويتها إلا إذا استعاد النقد دوره في اكتشاف هذه المواهب ورعايتها. ويبدأ ذلك بترسيخ الاستقلالية، والاحتكام إلى القيمة الفنية، والبحث الجاد عن الأصوات الجديدة؛ فكم من قراءةٍ نقديةٍ منصفةٍ صنعت كاتبًا، وأسهمت في تشكيل ذائقة جيلٍ كامل. ولعل بين آلاف الصفحات التي تُكتب كل يوم نصًّا ينتظر عينًا ناقدة تؤمن به، كما آمن بيلينسكي يومًا بكاتبٍ لم يكن العالم يعرف اسمه بعد. فالأدب لا يزدهر بالمواهب وحدها، بل يزدهر أيضًا بالنقاد الذين يمتلكون نزاهة القراءة ونفاذ البصيرة؛ فلعل قراءةً نقديةً صادقةً تصنع اليوم كاتبًا يغيّر وجه الأدب غدًا.