احترم لفظك

عندما نبحث عن ساعة من الترفيه بعد يومٍ طويل من العمل، ونجلس لمشاهدة فيلم أو مسلسل سعودي أو خليجي أو عربي، نتوقع أن نستمتع بمشاهدة عملٍ يرقى بالذوق ويمنحنا المتعة. لكن مع الأسف نجد أن كثيراً من الأعمال الدرامية، القديمة منها والحديثة، امتلأت بألفاظ سوقية ونابية أصبحت تُقال وكأنها جزءٌ طبيعي من الحوار. وحين تجمعنا الصدفة ببعض كتّاب السيناريو ونسألهم عن سبب إدراج هذه الألفاظ، يأتي الجواب مخيباً للآمال: إن هذه الالفاظ تعكس واقع الناس، وتجعل العمل أكثر مصداقية. إلا أن هذا التبرير ليس مقنعاً، فوظيفة الإعلام ليست أن ينقل أخطاء المجتمع كما هي، بل أن دوره يسهم في تهذيبها والارتقاء بها. فليس كل ما يحدث في الواقع يستحق أن يُقدم نموذجاً يُردد على ألسنة الملايين، وخاصة الأطفال والناشئة. وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أن يكون القول حسناً، فقال تعالى: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا”، وقال سبحانه: “وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت”، وقال أيضاً: “والكلمة الطيبة صدقة”. وهذه النصوص تؤكد أن الكلمة ليست أمراً عابراً، بل مسؤولية وأمانة، وأن حسن اللفظ من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام. والكلمة الطيبة لا تهذب لسان قائلها فحسب، بل تصنع بيئة اجتماعية أكثر احتراماً، بينما تؤدي الألفاظ البذيئة إلى الاعتياد على سماعها حتى تصبح مألوفة في البيوت والمدارس والشارع. مع أن الإعلام بما يملكه من تأثير واسع قادر على أن يرسخ الذوق الرفيع، كما يستطيع - إذا أهمل مسؤوليته - أن يطبع المجتمع على لغة لا تليق بقيمه. ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على الكاتب وحده، بل تشمل المنتج والمخرج والقنوات والمنصات، كما تمتد إلى الجهات التنظيمية التي يقع على عاتقها تشجيع المحتوى الراقي، والحد من توظيف الألفاظ الهابطة دون ضرورة فنية حقيقية، حتى لا يصبح الاكتفاء بتنبيه المشاهد إلى احتواء العمل على الفاظ غير مناسبة بديلاً عن معالجة المشكلة من أصلها. فالكلمة ليست مجرد صوت يخرج من الفم، وإنما قيمة تُبنى بها الأخلاق، وثقافة تنتقل من جيل إلى جيل. وكلما احترم الإنسان لفظه، احترم نفسه، واحترم مجتمعه، وساهم في صناعة محتوى يرقى بالناس لفظاً وخلقاً وسلوكاً.