إبراهيم موسى الحميد يقول عن أمه: (كانت أمي قوية، كريمة، متسامحة، لم تكن تشكو من قسوة الأيام، وضعف الحال؛ لا تكسرها الأيام. لكنها شاخت فجأةً بعد أن فقدتْ شقيقي الصغير في حريق المنزل ومنذ ذلك الزمن لم تتعاف لمدة تزيد عن أربعين عامًا) هكذا هن الأمهات؛ تنبض قلوبهن بنبض أولادهن؛ فيُمرضن بمرضهم. أما الدكتور عبدالواحد الحميد فيقول عن أمه (مْطِيعة): (ما يلفت انتباهي دائمًا في علاقة أمي بنا يتجاوز الحنان الفطري الطبيعي؛ فقد كان حنانها الوارف العميق؛ لا يسمح لعاطفتها أن تطغى على موجبات الحزم عندما يتطلب الأمر ذلك ولعل أبرز ما يتجلى فيه هذا الانضباط والقدرة على ترشيد الحنان الفطري للأم؛ هو الحرص الشديد، وربما المبالَغ فيه؛ لوالدتي على التحصيل الدراسي لبناتها وأولادها ومتابعتهم وتحفيزهم للتعلم) ويقول: (كانت تسهر معنا تحت ضوء الإتريك ولا تنام حتى ننتهي من أداء واجباتنا المدرسية) هذه الأُم العظيمة التي كانت تتابع تعليم أبنائها وبناتها بكل هذا الالحاح والشغف كانت أُمِّيَّة؛ لكنها بعد أن نجح أولادها من البنين والبنات؛ دخلت مدرسة محو الأمية؛ فتمكنت أن تكون قارئة؛ إنها نموذجٌ رائع تستحق أن تقدَّم بوصفها قدوة في حسن التربية وحب المعرفة. وتكتب نجوى هاشم عن أمها (زمزم .. ولدتني أمي زمزم وهي لم تكمل الثالثة عشرة من عمرها) وتقول: (زمزم البسيطة المسالمة أكثر من اللزوم، لم تُغضِب أحدًا في حياتها، ولم تَرُد على إساءة، كلما كبرتُ التصقتُ بها أكثر؛ تجمعنا لحظات طافحة بالفرح والجمال والحميمية والحب؛ أمي زمزم هي فقط من تجعل العالم أقل وحشة) ويكتب عبدالوهاب العريض عن جدته (زينب) وعن أمه (مدينة) ويقول: (كانت مدينة لي وطنًا، كانت قوةً في الظل، ولا تعشق النور، تعرف الكثير وتصمت، وحينما تقترب منها؛ تشعر دائما بأنك بحاجةٍ لمزيد من الوقت تتأمل في عينيها؛ وترى تعب السنين) أما فوزية ناصر النعيم فتكتب عن أمها: (البدوية التي لم تعرف من أحداث الحياة المكلفة؛ إلا التسامح والصفح والصبر؛ صيتة بنت حمود العتيبي؛ الاسم الذي يعزف على أوتار قلبي مقطوعة الحنين؛ عشقتُ تراب أقدامها.. وتغلغلتْ أنفاسُها في ذرات الأكسجين داخل رئتي ورأيتها أعظم امرأة في التاريخ) وتكتب طفول العقبي عن أمها (فوزية) المولعة بالمعرفة وبالكتاب وبالفكر وبالفن إلى درجة الاستغراق: (ما رأيت أمي قط إلا وفي يدها كتاب، أو دفتر وقلم؛ ففي السيارة هناك كتابٌ وكشَّافٌ صغير لإنارة القراءة، في غرفة انتظار الطبيب هناك كتاب، في المطارات هناك ألف كتاب وكتاب، وفي كل الأوقات هناك أسئلة بنهايات مفتوحة؛ توجهها لي ولأخي عن القصص وعن الكتب) فوزية مولعة بالمعرفة، عاشقة للكتب؛ بلغ بها عشقها للمعرفة وللكتب أنها في سنوات الحجر قبل الانفتاح الذي أطلقه الملك سلمان؛ كانت حين تعود من السفر تضع الكتب الممنوعة تحت ملابسها وتلبس عباءتها؛ وتتظاهر بأنها حامل؛ هكذا يكون عشق المعرفة؛ وهكذا يكون الولع بالكتب؛ إلى هذا الحد كان شغفها وعشقها للكتب، وولعها بالاطلاع. تقول طفول: (لأمي قدرة خارقة على أن تُحَوِّل أيًّا من مواقف الحياة العادية إلى احتفالٍ وبهجة) وقد ورثت هذا الشغف بالمعرفة من أمها (نور) عاشقة العلم تقول طفول: (قصة نور جدتي مع الكتابة والقلم؛ قصة فتحت عيوني على أمي وهي تسقي روحي برواياتها) أما الدكتور حمزة المزيني فيكتب عن أمه (راحمة بنت فرج الحجيلي) ويقول: (كانت أمي عزومًا لا يردها شيء) ويقول: (أبي توفي وأنا صغير جدا. وكانت أمي بعد أن توفي أبي ونحن صغار؛ تكاد تكون العائل الأول لنا؛ إذْ كان محصول المزرعة؛ لا يغطي حاجاتنا كلها. وقد عوَّضنا الله بها فرعتنا رعايةً لا يوفيها حقها إلا ذكرها بالجميل) أما الدكتور عبدالله المعيقل فيكتب عن أمه: (مِنْوَة هو اسم والدتي وهو اسمٌ شائع في قرى ينبع النخل؛ ومنوة هي الأمنية والأماني وهي المُنية والمُنى. منوة معجونة من مر الصبر وحلاوة التمر؛ كانت امرأة بسيطة وطيبة وعطوفة) أما السفير عبدالله يحيى المعلمي فيكتب عن أمه: (مْعَدْية .. اسم والدتي هو وحده يحكي نصف الحكاية ... مْعَدْية اسمٌ قروي لفتاة جميلة من جبال عسير. مْعَدْية اسمٌ يدل على مَن تَعَدَّت بجمالها كل أقرانها وقد كان لها من اسمها نصيب ... كانت أمي تبحث عن الضيف لتكرمه، وعن الغريب لتؤويه، وعن المسافر لتستقبله) وتكتب الشاعرة نوير العتيبي عن أمها (نورة) فتقول: (يروي المرء عن ذاته حين يروي عن أمه؛ الجذر الذي يعود إليه؛ حكاية المرأة البدوية التي هي أمي؛ شاسعة البون عما أحياه) وتروي عن أمها نصًّا ذا دلالة يشير إلى كيف كنا وكيف صرنا تقول الأم: (جئنا من البادية إلى الرياض وسكنا أولا في حي المربع في بيوت أشبه بالخيام ثم انتقلنا إلى حي منفوحة مبانٍ من اللبن والطين؛ بيوت لها أسوار قصيرة وأبواب وبلا أسقف كي لا تحجب النظر) ويكتب فيصل المشاري عن أمه: (سارة بنت عبدالعزيز المونس) أما عبدالعزيز العيد فيكتب عن أمه: (نورة بنت محمد العيد ... رعت الغنم مبكرًا، وركبت الحمير، والجمال، وجلبت المياه من أقرب الأماكن، وعانت من شظف العيش وقلة المال) ويقول: (نورة البلاهى: قامةٌ فارعة، وشَعرٌ طويل، يُطلِق عليها أهالي قرية (البَرَّة) نورة البلاها نسبةً إلى أبيها الذي لُقِّب ب(البليهي) وهي إحدى صفات الجمل التي تعني الصبر والتحَمُّل) ويكتب الشاعر محمد خضر عن أمه (فكرة): (فكرة بنت علي الكاشف؛ عاشت أمي (فكرة) في قريتها في بلجرشي في طفولتها وصباها الأول في رعي الأغنام ومساعدة جدي في المزرعة؛ تحفظ الكثير من الشعر المحلي الذي يروي فصولا من الحياة الاجتماعية والثقافية؛ ثقافة الإنسان في كفاحه ونضاله خلف لقمة العيش) ويقول: (الكتابة عن الأم هي الكتابة عن وجودي كله؛ يرتبط ذلك بكل شيء؛ بالطفولة، بالشعر، بالخوف والأمان، بالماضي والمستقبل) وتكتب الدكتورة لطيفة العبداللطيف عن أمها: (نورة البكر أثبتت نورة قدراتها واستحقت أن يطلَق عليها لقب (قَرْمة) ... كانت تشارك الفقراء مؤونة بيتها في سماحة وجود؛ نذرت حياتها لمساعدة من تعرف ومن لا تعرف؛ بكل ما تحمله كلمة (نذر) من معنى؛ تعلمتُ منها الأخلاق الفاضلة؛ فقد كانت منبع مكارم الأخلاق والحنان والرغبة في مساعدة الآخرين) أما الدكتورة ثريا عبيد فتكتب عن أمها: (عائشة ...كانت سلسة الطبع وحكيمة في تعاملها مع زوجٍ له طباع حادَّة. كانت حنونة علينا جميعا وعلى أولاد الأصدقاء والمعار)) وتكتب الدكتورة زينب الخضيري عن أمها: (أمي كانت قوية بضعفها، شديدة برقتها، رحيمة بغضبها، صبورة بانفعالها) وتضيف: (الحديث عن الأمهات أشبه بالمعراج إلى السماء؛ إلى الأعالي هناك حيث النور والسلام والطمأنينة) ويكتب جمال العتيبي عن ولعه بأمه (نورة) وحرقته على فقدها: (الحياة التي عشتها مع أمي لم تتجاوز الاثني عشر عاما؛ علمتْ أمي بإصابتها بمرض السرطان وكان عمرها ثلاثين سنة) عاشت ثلاثة أعوام تترد على المشافي وأيضا: (ذهبتُ معها كثيرًا لشيخ يقرأ وآخر يداوي بالعسل، وآخر يداوي بالطب الشعب)) وهكذا فَقَد جمال أمه؛ وهو ما يزال طفلا لكنه لم ولن ينساها؛ فقد كان عميق الحب لها، شديد التعلق بها. ويكتب عبدالمجيد الصيعري عن أمه: (أمي ليست إنسانة عادية، ويصعب أن يجود بمثلها خيال؛ أمي سيدة متفردة؛ تجتاز المحن برشاقة غزال؛ عندها قدرة عجيبة على استعادة ابتسامتها في أحلك الظروف) وتكتب سارة الرشيدان عن أمها (نورة الونيس) فتقول: (رحلت قبل ثلاثة أعوام؛ قررتُ أن لا أتذكر سنوات مرضها الذي هاجم ذاكرتها؛ فأنساها حتى ملامح أعز أبنائها؛ وضاقت دائرة الحياة على ذاكرة بلا تفاصي) وتقول: (عاصرت أمي ستة ملوك؛ لكن الذكرى التي لا أنساها لها؛ فجيعتها عندما قُتِل الملك فيصل؛ كانت تحمل إبريق الماء لتضعه على موقد النار؛ عاد والدي من العمل وأطلق الخبر الصاعق: قُتِل الملك فيصل؛ صرختْ أمي وألقت إبريق الماء بفجيعةٍ على الأرض؛ لم أنس فجيعتها ولوعتها وهي تسأل وأخذت تبكي) إن قتل الملك فيصل كان مفاجئًا وفاجعًا للجميع؛ فالحادث أصاب الناس بذهول شديد، وارتباك صاعق. وختام كتاب (سيرة الأمهات) مقال الدكتورة فوزية أبو خالد؛ عن أمها (نور الهاشمية) وقد أخَّرتْه ليكون آخر مقالة في الكتاب على طريقة الكرام الذين لا يأكلون إلا بعد أنْ ينتهي كل الضيوف؛ فهم آخر من يأكل. ولأن أمها؛ أُمٌّ استثنائية في الذكاء، ونفاذ الرؤية، والحكمة، والاستقلال، والاعتداد بالنفس؛ فإن المقالة جاءت ضافية ومفصَّلة وزاخرة بالكثير من المواقف الجميلة الرائعة؛ التي تستحق التوقف الطويل، والتأمل العميق؛ في ما تضمنته من دلالات وما ترمز إليه من إيحاءات؛ تقول فوزية عن أمها: (كانت نور في الحزن ولحظات الفقد والانكسار؛ سيدة موقف من حرقة الأسئلة؛ ليقين تدابير اللطيف الخبير الجبار؛ فهي من الأحرار الذين ينثنون على الجرح ولا ينحنون لغير الله؛ عاشت نور في حاضرة الحجاز، وعاشت في بادية الطائف، وعاشت في تقشف نجد، وحملتْ المياه على رأسها من القليب؛ عاشت في باريسية لبنان، وقادت السيارة، وعاشت في الغنى والفقر، كما كتبت بخط يدها؛ إنها سيدةُ أعمالٍ، وتعمل بيده)) إن نور الهاشمية امرأةٌ استثنائيةٌ وابنتها فوزية لا تَقِلُّ عن أمها في الصفات الاستثنائية؛ لذلك جاءت مقالتها عن أمها مطولة، وكثيفة، ومتشعبة، وذات دلالات عميقة؛ فهي غير قابلة للاختزال.