كان أرفع مسؤول أقابله في حياتي، وكان وقتها مدير عام إذاعة الرياض، وملء السمع والبصر، وتتردد كنيته بين جنبات الإذاعة: أبو عثمان، وطُلب مني أن أذهب لمكتبه لإجراء مقابلة شخصية؛ تمهيدًا لتعييني بوظيفة (مذيع) بعد أن أجريت التجربة الصوتية وتقدمت رسميًا بطلب الوظيفة في وقت كانت الإذاعة تتجه بقوة نحو توطين الوظائف، ومن أهمها وظيفة (مذيع). وكان الوسيط بيني وبين الإذاعة المذيع خالد البنيان رحمه الله الذي أبلغني بوجود مقابلة شخصية مع المدير العام الساعة العاشرة صباحًا، وكان هذا في ذي القعدة من عام 1406هـ (يوليو 1986م). أكد الزميل خالد الموعد، الساعة العاشرة، هل سمعت؟ في إشارة إلى أهمية الالتزام بالمواعيد وضرورة الحضور في الوقت المحدّد أو قبله بقليل؛ لأن ذلك جزء من الحكم على المتقدم إلى الإذاعة ومدى التزامه وحرصه على الحضور دون تراخ؛ لأن العمل الإذاعي يتعامل بدقة متناهية مع الزمن، ولا يمكن أن تتأخر نشرة الأخبار دقيقة عن وقتها المعلن. كان هذا أول درس اكتسبته قبل أن أخوض العمل، وقبل أن أجتاز المقابلة الشخصية مع مدير عام إذاعة الرياض، ومن حسن الحظ أنني آخذ الأمور دائمًا بالجد، وحريص على الالتزام بالمواعيد، وتضاعف الاهتمام بهذا الموعد المرتبط بتعييني ومستقبلي الوظيفي، فأعطيته اهتمامًا مضاعفًا، ووصلت قبل الموعد بربع ساعة، وجلست في مكتب المدير العام الأستاذ عبدالعزيز جعفر رحمه الله، وعند العاشرة تمامًا قال لي: تفضل... كنت وقتها في الثانية والعشرين من عمري، ولم يسبق لي أن قابلت مسؤولاً كبيرًا بقامة مدير عام إذاعة الرياض، ومن المؤكّد أنني كنت متحفزًا وقلقًا من هذه المقابلة، وهل يمكنني أن أجيب عن جميع الأسئلة، وخاصة أنني لم أمر بمثل هذه التجربة من قبل، ولا أعرف شيئًا عن طبيعة الأسئلة، وكنت أظن أنها ستتجه نحو المعارف والعلوم التي حصّلتها في كلية الآداب (قسم اللغة العربية)، وغاب عن ذهني أنها ستكون في مجملها عن الجوانب الإذاعية، كان الأستاذ المنصور قد جهّز التجربة الصوتية (شريط مسجّل في نحو عشر أو ربع ساعة بحد أقصى)، ووضعه في جهاز التسجيل تمهيدًا لتشغيله، ولكنه قبل ذلك بدأ يطرح علي بعض الأسئلة: لماذا اخترت العمل في الإذاعة؟ من تعرف من قرّاء النشرات في إذاعة الرياض؟ ما البرامج التي تُتابعها؟ هل لديك اهتمام بالقراءة وهل لديك مكتبة منزلية؟ وهكذا سارت الأسئلة، وكانت إجاباتي في الجملة موفقة، وبدأ التحفز ينزاح، وتحل محله الثقة بقدراتي إذ أجبت عن الأسئلة بكل سهولة؛ لأنني كنت متابعًا لبرامج إذاعة الرياض منذ عام 1401هـ/1981م، ولدي معلومات مكثّفة ودقيقة عن الإذاعة، وهو ما جعل الأستاذ محمد المنصور يرتاح لهذا الجانب؛ لأن السماع عنصر مهم يكتسب خلاله المرء الحس الإعلامي دون أن يشعر. بعد ذلك بدأ الأستاذ المنصور يضع يده على بعض الأخطاء اللغوية، ويدوّن ملحوظاته على الأداء وأماكن الوقف والوصل، ثم يسألني: هل هذه العبارة التي قرأتها صحيحة، أو هناك خطأ؟، ثم يعطي التوجيه المناسب، واكتشف أنني وقعت في بعض الأخطاء اللغوية نتيجة الارتباك وليس جهلاً؛ لأنني أدركت بعض الأخطاء وصوبتها، وهو ما جعله يعطي حكمه النهائي على تجربتي والمقابلة بأن قال كلمة تُوحي بالتعيين الفوري والقبول: قبلناك كمذيع! خرجت من مكتبه وأنا في زهو وفرح، وبغير الوجه الذي دخلت به عليه، فقد رأيت أنني خلال أيام سأباشر وظيفتي (مذيع)، وسيتاح لصوتي أن يصل إلى كل مكان، يا لها من نقلة كبيرة جدًا كيف لطالب خجول تكاد خطاه لا تتجاوز المسافة بين منزله وجامعته أن يدخل مجال الإعلام من أوسع الأبواب، ويرن صوته في الآفاق في إذاعة رسمية رصينة. ويشاء الله أن أتدرج في الإذاعة، وأن يكون أبو عثمان أكبر الداعمين لي في الترقيات، وفي عضويات اللجان، وفي رئاسة الأقسام، وفي تمثيل المملكة خارجيًا، ثم أصبح بعد تقاعده في عام 1426هـ، وانتقال عملي من وزارة الإعلام إلى جامعة الإمام صديقًا، ونلتقي في مناسبات عديدة داخل الرياض وخارجها، وتبنّى بعد تقاعده برنامجًا إنسانيًا رائعًا، وهو زيارة الإذاعيين القدامى، وتفقد أحوالهم، وزيارة المريض منهم، وحضرت العديد من هذه اللقاءات التي يتولى الدعوة إليها والتنسيق لها، ويحضرها كبار العاملين في الإعلام السعودي، منهم: الأستاذ محمود الخطيب رحمه الله، والدكتور علي النجعي، والدكتور عبدالعزيز الحسن، والأستاذ عبدالمحسن الخلف، وإبراهيم الصقعوب، وسعد الجريس، وعبدالمحسن الحارثي، ومحمد نهار القحطاني، وغيرهم، كما زرنا برفقته عددًا من الإعلاميين القدامى، ومنهم: غالب كامل رحمه الله، وحسن التركي، وراشد أبو نيّان، وخالد الشريم، والدكتور سليمان العيدي، ومحمد أبو ناصف، وغيرهم. وقد يتساءل بعض القراء عن هذه الشخصية الإعلامية القديرة، وكيف تدرجت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه؟ والإجابة أن الأستاذ محمد بن عثمان المنصور شخصية قيادية من الطراز الأول، ومن معدي البرامج القدامى، وتدرج في وزارة الإعلام من موظف صغير يحمل الثانوية العامة، إلى وكيل وزارة بشهادة جامعية، وهو قارئ جاد، ويكتب الشعر، ونشرت له مجلة المنهل قبل أكثر من نصف قرن بعض المقالات، ووجدت له ترجمة ممتازة في كتاب الدكتور بدر كريّم (نشأة وتطور الإذاعة في المجتمع السعودي) الصادر في عام 1420هـ/2000م، وأشار كريّم إلى أنه أخذها من المنصور شخصيًا في عام 1419هـ، ويسرني أن أنقل زبدتها، مع تحديث لها، فلقد ولد الأستاذ محمد بن عثمان المنصور في مدينة أشيقر التابعة لمحافظة شقراء، وتخرج في كلية اللغة العربية بالرياض في عام 1389هـ/1969م، ودرس اللغة الإنجليزية في معهد الإدارة العامة، والتحق بالإذاعة عام 1384هـ/1964م موظفًا في مكتبة التسجيلات، وقسم الاستماع، وقسم التنسيق، ثم رئيسًا لقسم الأحاديث، ومديرًا لإدارة الإنتاج، ثم مديرًا عامًا لإذاعة الرياض بالنيابة عام 1395هـ/1975م، ثم مديرًا عامًا، ثم مديرًا عامًا للأخبار بوكالة الأنباء السعودية (1407ـ1416هـ)، ثم عاد إلى إذاعة الرياض مديرًا عامًا في عام 1416هـ/1995م، ثم صدر قرار تعيينه وكيلاً مساعدًا لوزارة الإعلام لشؤون الإذاعة من شعبان 1417ه/ يناير 1997م، وحتى تقاعده في عام 1426هـ/2005م. أما عمله في مجال إنتاج البرامج فهو معد ومخرج قدير، وله رصيد كبير من البرامج القديمة الناجحة، ومنها: مئة ثانية، ولقاء الأضداد، وهذا رأيي، وأستديو رقم 1، ويا ليل دانة، وتخلى عن مهمة الإعداد والإخراج بعد انشغاله بالأعمال الإدارية الرفيعة. وبحكم قربي منه بعد تقاعده فقد سمعت منه الكثير من المواقف والأحداث المرتبطة بإذاعة الرياض، ومنها موقف مع معالي الشيخ جميل الحجيلان الذي كان في زيارة تفقدية لموقع الإذاعة القديم في الملز، وكان الأستاذ المنصور موظفًا في بداية السلّم، فدخل عليه ومعه بعض الموظفين الشباب، وكان الجو باردًا جدًا، وهم في غرفة غير محكمة النوافذ، في حين كان يلبس معالي الوزير (بشت وبر دافئ)، فتعاطف معهم، وأمر النجّار أن يتوجه للمكتب في الغد لإصلاح النوافذ رأفة بموظفيه الشباب، كما تحدث عن استقطاب الإذاعة للأدباء والمثقفين، وفي مقدمتهم الشيخ حمد الجاسر، وعبدالله بن خميس، وأبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري، والدكتور محمد بن سعد بن حسين، وعبدالله الجعيثن، وغيرهم. وبعد، فالأستاذ محمد بن عثمان المنصور يحمل ذاكرة إعلامية عن مرفق مهم، وليته يسعى لتوثيق تاريخ إذاعة الرياض التي عمل فيها منذ أول سنة انطلق البث منها في عام 1384هـ/1964م، وحتى تقاعده في عام 1426هـ/2005م. *أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام سابقًا