عبد الله بن عبد العزيز الخيَّال 1332 - 1408 هـ ..

رسائل نادرة مع حمد الجاسر تكشف صفحات جديدة من سيرة الدبلوماسي الرائد.

يذكر الشيخ حمد الجاسر في – من سوانح الذكريات – انه “ تلقى في أول عام 1358 هـ شباط 1939 مـ من مديرية المعارف, كتابا مؤرخا في 01 / 01 / 1358 هـ جاء فيه : تبلغنا من المقام السامي صدور الأمر الملكي رقم 14 / 01 / 32 بتاريخ 29 / 12 / 1357 هـ بإلحاقكم بالبعثة العلمية بمصر ..” وقال انه سبقه على الإبتعاث طلاب لم يكملو أية مرحلة من مراحل الدراسة الحديثة, ذكر منهم : عبد الله الخيال, وعبد الله الملحوق, واحمد المبارك, ص 616. وقال انه أنس باللقاء بعدد من الإخوان وذكر منهم عبد الله الملحوق, وحين قامت الحرب العالمية الثانية, أمرت المعارف بعودة الطلاب الى المملكة, وعند وصولهم لجدة عرض عليه صديقه الخيال أن يتضيفون الأمير فيصل إذ سبق له العمل بمكتبه الخاص, وقال عن صديقه الخيال فيما بعد عند زيارته له ببغداد عام 1948: “ اما في بغداد فقد كان الوزير المفوض الشيخ عبد الله الخيال, وارتباط الصداقة بيننا يرجع الى عهد قديم, وكان من مظاهر احتفاله أن دعا عددا من علماء بغداد ومن أدبائها للالتقاء بهم ومعرفتهم, ومنهم الشيخ محمد بهجت الأثري, والدكتور تقي الدين الهلالي الجزائري الأصل, والشيخ محمد الصواف, والأستاذ أحمد حامد الصراف وغيرهم “ ص812, حرصت على تتبع أخبار الخيال لما سمعته عنه وعن عمق صداقته للشيخ الجاسر فبحثت عن ترجمته في الكتب الأخرى مما تحتويه مكتبتي المنزلية فلم أجد سوى الشيء القليل. ورد اسمه ضمن البعثه الثانية عام 1936 في (من وحي البعثات السعودية) صالح حريري ط1, 1949 . عدت لـ (موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي) الصادر في 1999 من مكتبة الملك عبد العزيز العامة فلم أجد سوى : “ عبد الله الخيال الوزير المفوض السعودي, عين وزيرا مفوضا ومندوبا فوق العادة وقنصلا عاما للمملكة لدى العراق في 03 / 03 / 1366 هـ, ثم سفيرا في واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية خلفا للشيخ أسعد الفقيه “ ص571. وفرحت بصدور (معجم السفراء السعوديين) من وزارة الخارجية ط1, 1437 هـ 2016 مـ وقد ورد به : “ عبد الله بن عبد العزيز الخيال, قدم سفيرا للمملكة العربية السعودية لدى مملكة العراق عام 1374 هـ 1954 مـ . التحق بوزارة الخارجية بوظيفة وزير مفوض في بغداد عام 1372 هـ 1952 مـ, ثم في المكسيك عام 1375 هـ 1955 مـ, وتدرج في السلك الدبلوماسي, وقدم سفيرا للمملكة لدى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1380 هـ 1960 مـ, ثم عمل مديرا لمصلحة الأشغال العامة عام 1383 هـ 1963 مـ, ثم سفيرا للمملكة لدى الإمارات العربية المتحدة عام 1395 هـ 1975 مـ, وجمهورية النمسا عام 1397 هـ 1977 مـ . مثل المملكة في المكسيك للإحتفال بعيد الإستقلال عام 1380 هـ 1960 مـ “ ص178 , ومما يؤسف له تضارب واختلاف ما ورد في الكتابين رغم أنهما قد صدرا من جهات رسمية, ففي موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي, أنه عمل وزيرا مفوضا بالعراق عام 1366 هـ, وفي معجم السفراء السعوديين ورد أنه عمل سفيرا لدى مملكة العراق عام 1374 هـ . بينما نجد في كتاب (أعلام بلا إعلام) للدكتور عبد الرحمن الشبيلي ج1, ط1, 2007 وهو يترجم لعبد الله بن عبد الرحمن الملحوق, أنه التحق بالبعثة التعليمية الثالثة الى مصر, حيث درس بدار العلوم , ومن زملائه بالبعثة ذكر عبد الله الخيال وغيره . بينما من وحي البعثات السعودية نجد انه ضمن البعثة الثانية, فأيهما الصحيح؟! . جرى مؤخرا اتصال بالدكتورة مي بنت الشيخ حمد الجاسر التي سمعت منها معلومات وافية عن الشيخ عبد الله الخيال وعلاقته الوثيقة بوالدها, أبديت لها رغبتي بالكتابة عنه فزودتني بمجموعة من الرسائل المتبادلة بين الصديقين, وصورة لحفيظة النفوس (الهوية) وصورة لوالدها أهداها للخيال باللباس الافرنجي بالقاهرة, ووجدت بتلك الرسائل التي مضى على بعضها تسعين عاما ما يستحق الإشارة إليه ويحق تخصيص تسميتها بالرسائل الأدبية أسوة بما كان متبعا فيما مضى, وقبل ذلك يمكن الإشارة الى مقابلة صحفية مع فهد بن عبد الله الخيال وكيل وزارة البترول السابق الذي أجرته معه جريدة اليوم الجمعة 25 / 04 / 2003 قال : “..وعند ما جاء الوالد من مصر عام 1360 هـ 1941 مـ أرسل الى المعارف معتمد تعليم في المنطقة الشرقية بعد تخرجه من مصر وعمل مديرا لمدرسة الأحساء وهي أول مدرسة في الأحساء… وبعد سنتين نقل الى العراق مع بدء فتح المفوضية, وكان يسمونها المفوضية السعودية قبل ان تصبح سفارة عام 1943 مـ والحرب العالمية كانت قائمة, وكان الوالد سكرتيرا ثم أصبح سكرتيرا أول ثم قائما بالأعمال ثم وزيرا مفوضا, قال أنه رافق والده الى بغداد ومعهم الشيخ فخري شيخ الأرض ومحمد الشهيبر ومحمد المنصور الرميح.. وقال ان اسعد الفقيه هو القنصل وقبله ابراهيم المعمر..”. وصلني من الدكتورة مي الجاسر 21 رسالة من الخيال للجاسر أولها بتاريخ 28 / 10 / 1357 هـ من القاهرة الى مكة, يصف القاهرة ويعتذر بقوله : “ولعلي لا أكون قد عملت بدعا في كتابة الرسائل حين لم أراع الأصول البيانية والقواعد العربية فأرجو أن لاتؤاخذني على سلوكي هذا الطريق من طرف الكتابة لأنه أتى عفوا ولم أقصده.. إلخ “ الرسالة الثانية بتاريخ 14 / 1 / 1358 هـ قائلا إنه استبشر بما حواه خطابه من انضمامه الى البعثة العلمية بمصر قائلا : “ستجدون في مصر مرعى خصبا من العلوم والفنون تروون به ظمأكم, لا لم أفرح بذلك فقط وإنما فرحت لأن جلالته لمس فائدة العلم فشجع من يريد طلبه, ولم يرده خائبا.. وأستوضح عن بعض المعاهد والكليات التي تصلح لكم وخصوصا كلية الشريعة وكلية اللغة العربية, وكلية الأداب – الجامعة المصرية ودار العلوم.. وسأكتب عن مناهجهما..” ثم توقفت الرسائل بينهما الى 22 / 2 / 1361 هـ التي يخبره بها انه وصل الأحساء المشهورة بكثرة تمرها وحمرها وإزعاج سكانها بعواء بنات آوى… إلخ, ونجد الشيخ الجاسر يكتب لصديقه الخيال من الأحساء بوم الثلاثاء 25 / 9 / 1358 هـ وقد كتب في أعلى الورقة (حمد الجاسر عضو البعثة السعودية بمصر) يصف رحلته للأحساء : “ يوم الأحد الموافق 23 الجاري وصلت الأحساء من رحلة استغرقت سبعة أيام على ظهور الإبل قضيناها بغاية الأنس والإرتياح, ولقد وجدت الأحساء بلدة عظيمة بكل معنى الكلمة ولكنها مهملة فيما مضى وفيها حركة اصلاحية وحركة علمية تبشر بمستقبل حسن… ومبنى المدرسة بنيت من واردات المعارف ومن تبرعات الأهالي . نعود لرسائل الخيال, من الأحساء في 22 / 3 / 1361 هـ الى مكة المكرمة فضيلة الشيخ حمد الجاسر, يقول فيها “ ارجو اقناع الأخ عبد الكريم الجهيمان بترشيح نفسه لمعاونة مدرسة الأحساء..” وتستمر الرسائل بينهما, ففي تاريخ 23 / 1 / 1362 هـ يبشر صديقه الجاسر “.. ان الله رزقني ولدا ذكرا سنسميه عبد العزيز, وكسبت خبرة عملية ومعرفة تامة بطبائع الناس في هذا الزمن كما كسبت مرانة لا بأس بها على إبطال كيد المشاغبين, والرسائل في 10 / 2 / 1362 هـ يقول عن هزال ولده “وأرجو ألا يسبب كارثة على قومه اذا ما كبر كالكارثة التي يسببها الآن قادة أوروبا, ولقد هممت بأن أسميه هتلر ثم هممت أن اسميه تشرشل وأخيرا سميته عبد العزيز ليكون له من اسمه نصيب..” وفي رسالته في 4 / 4 / 1362 هـ ينقل لصديقه أنه في دار الضيافة بالمربع بالرياض وهو في طريقه للعراق, وهناك رسائل أخرى لم أشر اليها لضيق مساحة المقال. وبرسالة أخرى بتاريخ 15 / 3 / 1372 هـ يشكر للجاسر حفاوته به أثناء زيارته للمملكة ويقول : “ فقد سهل الله ووصلت بغداد بحال الصحة والعافية شاكرا لفضيلتكم مالقيته منكم من لطف ومكارم أخلاق… ويخبره بإرسال الجزء الثاني من كتاب تاريخ العرب للدكتور جواد علي..” علما بأن هذه الرسالة طبعت بالآلة الكاتبة وليس بخط اليد كما السابق . وهذه الرسالة المطبوعة أيضا والمؤرخة بالتاريخ الميلادي 28 / 12 / 1953 يخبره فيها بوصول العدد الأول من مجلة اليمامة وأنه قرأها وهو في الطائرة بطريقه الى روما للعلاج, وذكر أنه فجع بخبر وفاة الملك عبد العزيز, وسيرسل له الجزء الثالث من تاريخ العرب. وآخر رسالة وصلتني بتاريخ 14 / 8 / 1373 هـ 17 / 4 / 1954 مـ يشكره على رسالته ويأسف لتأخر وصول مجلة اليمامة ويشيد بالعدد الأول منها فهو الأفضل من الأعداد التالية, ويأسف لعدم مقابلته بالرياض التي زارها ليوم واحد ويخبره بإرسال البحوث والمقررات التي عرضت على حلقة الدراسة الإجتماعية للاستفادة منها لنشرها في المجلة, ويهنئه بإنتخابه عضوا مراسلا في المجمع العلمي العراقي, وأن الذي رشحه بهجت الأثري, واطلعت على مجموعة من صور رسائل من الشيخ الجاسر لصديقه الخيال مصدرها الخرج ومكة, منها رسالة مطبوعة بتاريخ 20 رمضان 1373 هـ بورق معهد الرياض العلمي يشكره فيها على ارسال البحوث التي سينشرها في اليمامة ويشكر بهجت الأثري على ترشيحه لمجمع اللغة العربية ببغداد, وسأختتم هذا المقال بخطابين متبادلتين بين الدكتورة وسمية المنصور والدكتورة مي الجاسر, بعد أن إطلعت وسمية على جزء من الرسائل المتبادلة بين الشيخين الجاسر والخيال, وقالت وسمية معلقة على تلك الرسائل : “.. وكانت ذروة المفاجأة أنها من عبد الله الخيال لصديقه الحميم حمد الجاسر, وتعدد بعض ملامح الرسائل. اولا : ملامح العلاقة الأخوية مالها وما عليها, واستبشار بخبر انضمامه للبعثة التعليمية. ثانيا : ملامح علاقة الحاكم بالمحكوم, بين الملك والشعب علاقة الأب ببنيه. ثالثا : اداب مقومات الطلب والنصح, يطلب منه التأني حتى يحسن اختيار نوع التخصص. خامسأ : ملمح القيم, بطلب الخيال بنصح الشباب السعوديين بالتوجه لولي الأمر في طلب الإبتعاث. خامسا : ملمح لغة الخطاب “ لابد أن القارئ يشاركني الإعجاب بلغة الخطاب فالرسالة تنعم بلغة فصيحة تعكس المستوى الثقافي العالي للطرفين والتهذيب الراقي في انتقاء التعابير فلا كلمة نابية, ولا تعبير ركيك مهزوز, مع سلامة لغوية عالية”. سادسا : ملمح الخط الجميل : وزبدة القول كما تراه الدكتورة وسمية المنصور: “ زادتني هذه الرسالة شوقا للإطلاع على رسالة الشيخ حمد الجاسر لصديقه الأستاذ الخيال لتكتمل أطر الفهم والانشاء المعرفي, فهذه الرسائل ترسم جانبا من طبيعة المجتمع الثقافي السعودي في مرحلة تقارب قرنا مضى , وهذه الرسالة بين شباب ذلك العصر, ولعلهم دون العشرين من أعمارهم..” واختتمت رسالتها لصديقتها مي الجاسر بقولها : “ وإني أدعو الى إحياء فن الرسائل والمخاطبات المعاصرة, ففيها نوافذ جمالية ابداعية أخشى أن تضيع وتتلاشى في زمن وسائل الإتصال الحديثة “. أ. د. وسمية بنت عبد المحسن المنصور – رحمها الله –. وعلقت الدكتورة مي الجاسر على رسالة صديقتها وسمية قائلة : “.. فإن فن الرسائل المتبادلة بين الأدباء او الأصدقاء او المحبين كان موجودا في أدبنا العربي وازدهر في العصر العباسي, وبدأ في التقهقر بعد ذلك, وما رسائل مي زيادة الى جبران خليل جبران والعقاد والرسائل المتبادلة بين الشاعرين الكبيرين محمود درويش وسميح القاسم الا امتداداً خجولا لهذا الفرع من الأدب في العصر الحديث..” وعن الرسالة قالت : “ تتعلق بعلاقة والدي بالشيخ الخيال – رحمها الله – علاقتهما بدأت عندما قدم الشاب عبد الله الخيال الى الرياض للإنضمام الى مجموعة الإخوان من الدرعية في شوال عام 1346 هــ مارس 1928 مـ وامتدت الى وفاة الشيخ الخيال 2008..” وقالت عن الخيال “ ولد بالدرعية وعندما بدأ بطلب العلم حضر للرياض وثم مكة وكان ضمن الدفعة الثانية من بعثة الطلاب السعوديين الدارسين في القاهرة, وقد تخرج من دار العلم عام 1941 عاد للمملكة الفتية فشغل عدة مناصب منها معتمدا للمعارف في الأحساء ثم عين في السفارة السعودية في بغداد (1942 – 1954) وترقى هناك الى أن أصبح وزيرا مفوضا ثم نقل سفيرا للمملكة العربية السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك والممثل الدائم للمملكة في الأمم المتحدة من 1954 الى 1964 ميلادية, وخلال وجوده في واشنطن العاصمة سعى لإنشاء المركز الإسلامي هناك, وقام بجمع التبرعات من بعض الدول الإسلامية وعلى رأسهم المملكة, ومازال المركز قائما. وعندما عاد الى الرياض وكل إليه انشاء مصلحة الأشغال العامة وعندما أنجز مهمته طلب التقاعد, وبعد عشر سنوات عين أول سفير للمملكة لدى دولة الإمارات العربية, وبعد ذلك سفيرا في جمهورية النمسا حيث قام بإفتتاح المركز الإسلامي عام 1978 مـ هناك بتمويل من المملكة وبحضور رئيس الجمهورية النمساوي والمستشار, والجدير بالذكر أنه كان رئيس مجلس أمناء المركز الذي مازال يمارس دوره الى الآن. عاد للرياض بعد تقاعده الأخير حيث توفي رحمه الله عام 2008, مما سبق تظهر لنا صورة الخيال رجل التأسيس والتطوير الذي لم يأل جهدا في سبيل رفعة وعزة دينه وبلاده, ومع الأسف أنه لم ينل التعريف والتقدير الذي يستحقه “. وقالت نقلا عن ابنته السيدة فايزة بنت عبد الله الخيال أنه بالاضافة الى عمله الدبلوماسي بالعراق فهو يشرف على طلاب جميع المراحل التعليمية الذين يوفدهم أهليهم للدراسة في العراق, وقالت بعد أن تقاعد الشيخ الخيال أصبح – مع والدها – رفيقي سفر إما للعلاج أو الإستجمام, وكانت فرصة للجاسر لزيارة المكتبات الأوروبية مع صديقه الذي كان يساعده, وقالت إن الشيخ الخيال طويلا ممشوق القامة, فاتح البشرة, أنيقا يهتم بملبسه ومظهره, بينما أبو محمد الجاسر كان مربوع القامة ولم يكن مهتما بملبسه و مظهره بل كان كثيرا ما نسمع والدتنا أطال الله عمرها وهي تحلف عليه أن يلبس الثوب النظيف الذي أعدته له “