في حُبِّ غازي القصيبي.

كتاب (في حُبِّ غازي القصيبي)، للناقد الأستاذ حسين محمد بافقيه؛ صفحةٌ مضيئةٌ في أدب الوفاء، وسجلٌّ أدبيٌّ يكشف صلةً وثيقةً بين قارئٍ واعٍ وناقدٍ بصير، وبين أديبٍ كبيرٍ بمنزلته الثقافية ومنجزه الأدبي. وهي صلةٌ امتدَّ أمدها عقودًا، فأصبحت المعرفة فيها مودَّةً، وصارت القراءة صُحبةً، ثُمَّ آلت الصُّحبة إلى تأمُّلٍ ونقدٍ واستقراء. ‏‎ويجاوز الكتاب حدود الترجمة المعتادة، ويفارق أسلوب الرصد التاريخي الجاف، مؤثِرًا سبيل القراءة الوجدانية التي تستند إلى الذوق والثقافة، وتستنطق النصوص، وتستحضر السيرة في سياقها الأدبي والثقافي. ‏‎وجاء ترتيب فصوله كاشفًا عن رغبة المؤلِّف في الإحاطة بعالم غازي القصيبي إحاطةً واسعة؛ فتنقَّل بين الشعر والرواية، وبين البحرين والسعودية، وبين التجربة الإنسانية والتجربة الإدارية، وبين الذكرى والتحليل، حتى بدت شخصية القصيبي في صورٍ متعددة، تتكامل أطرافها، وتتساند ملامحها، فيرى القارئ القصيبيَّ شاعرًا، وروائيًا، ومفكرًا، وصاحب رأي، وصاحب مشروع ثقافي، وصاحب حضورٍ إنساني ترك أثرًا عميقًا وواسعًا في معاصريه. ‏‎وقد أحسَنَ حسين بافقيه حين جعل ديباجة الكتاب مدخلًا نقديًا بالغ الدلالة، فاستفتحها بسؤال: «ماذا يبقى من القصيبي للتاريخ..؟».. ثُمَّ اتجه نحو القيمة الأدبية، وجعل خلود الأديب رهينًا بأثره الفكري، وصِدق تجربته، وعمقها وثرائها، وامتداد حضوره في وجدان القُرَّاء؛ مستعينًا بكلام غازي القصيبي نفسه في شأن المناصب والأدب، ممَّا زاد هذه الديباجة قوةً؛ عندما صدر الحُكم عن صاحب التجربة، وتولَّى المؤلِّف بسط معناه، والوقوف على تجليَّاته، واستحضار الشواهد له، وموازنة القصيبي بأعلام الأدب العربي، حتى انتهى إلى مكانته بين الأدباء ذوي الأثر الباقي. ‏‎ومن جانبٍ آخر، أبرز المؤلِّف أثر القصيبي في الذائقة الأدبية، وجعل سيرته الشخصية شاهدًا حيًّا على ذلك الأثر؛ فاستعاد أيام الدراسة، ولقاءه الأول بديوان (الحُمَّى)، وشغفه بقصائد الشاعر، وحرصه على اقتناء دواوينه، ومتابعة إنتاجه، فامتزجت السيرة الأدبية بالنقد الأدبي، وخرجت الفصول نابضةً بحرارة التجربة، بعيدةً عن الجفاف الذي يغلب على كثيرٍ من كتب الدراسات النقدية. ‏‎وقد تميَّز أسلوب حسين بافقيه بجزالة اللفظ، ومتانة التركيب، وكثرة الإحالة إلى التراث النقدي، مع استدعاء الشعر القديم والحديث، واستحضار أقوال الأدباء والنقاد، فجاء حديثه في نسقٍ عربيٍّ رصين، يستلهم لغة البلغاء، ويأنس بإيقاع التراث، دون أن يبتعد عن هموم الأدب الحديث وقضاياه. ويجد القارئ في هذا الكتاب ثقافةً واسعة، وذائقةً مرهفة، وصبرًا على الاستقصاء، وعنايةً ببناء الفكرة وربط أطرافها. ‏‎وممَّا يلفت النظر أيضًا في هذا الكتاب — وما يلفت النظر فيه ويمتعه كثير— حضور العاطفة المؤدَّبة بالعلم؛ فالمؤلِّف عاشقٌ لأدب القصيبي..، غير أنَّ العاطفة هنا اقترنت بالمعرفة، كما اقترن الوفاء بالنقد، ولذلك جاءت أحكامه هادئةً، تستند إلى الشاهد، وتقوم على القراءة الطويلة، وتستحضر النصوص والسيرة معًا.. وتلك منزلةٌ رفيعة في الكتابة الأدبية؛ حين تبلغ المحبة مرتبة الفهم، ويبلغ الإعجاب منزلة التأمُّل. ‏‎ولأنَّ الكتاب في (في حُبِّ غازي القصيبي)، فقد جاء وفيًّا لمقصده، فلم يسعَ إلا إلى إبراز ما يمكن أن يُقال في معرِض حبِّ غازي القصيبي، وعالمه الأدبي وأحوال ذلك العالم ومحطاته، دون أن يدَّعي الإحاطة بكل جوانب تجربته، أو يتقصَّد الموازنة بين محاسنها ومآخذها.  وإلى ذلك، فإنَّ غلبة نبرة التقدير فيه.. ليست خروجًا على مقتضى النقد، بقدر ما هي وفاءٌ لزاوية النظر التي اختارها المؤلِّف منذ عنوان كتابه، والتزمها حتى خاتمته. ‏‎ويأتي عنوان (في حبِّ غازي القصيبي)؛ ملائمًا لروح الكتاب ومقصده؛ حيث يجلِّي العلاقة التي تربط المؤلِّف بالقصيبي وتجربته، وحضوره العميق في المشهد الوطني، ويجعل القارئ يقف منذ الوهلة الأولى على طبيعة هذا العمل؛ فهو كتاب محبةٍ ومعرفة، وكتاب قراءةٍ ووفاء، وكتاب نقدٍ وتقديرٍ في آنٍ واحد. ‏‎ويستحضر العنوان، من جهةٍ أخرى، عنوان كتاب الأديب الأستاذ رجاء النقاش (في حبِّ نجيب محفوظ)، غير أنَّ حسين بافقيه صاغ في هذا الكتاب تجربته الخاصة، وصبغها بملامحها الذاتية، فصار العنوان شاهدًا على أثر القصيبي في تكوينه الثقافي، وعلى طول الصُّحبة بين القارئ والكتاب.. ‏‎وللعنوان دلالةٌ أخرى تزيده رسوخًا؛ فغازي القصيبي نال قدرًا وافرًا من محبة الناس قبل رحيله، وترسَّخت صورته في وجدان القُرَّاء والمثقفين، وامتدت آثار تلك المحبة مع شعره، ورواياته، ومقالاته، ومواقفه الفكرية والإدارية، فأضحى اسمه مقترنًا بالأدب الرفيع، والثقافة الواسعة، والخُلُق الكريم، وحسن المعشر. ‏‎ومن ثَمَّ بدا عنوان الكتاب ترجمةً لحال المؤلِّف، وصورةً لمشاعر جماهير واسعة من القراء، حتى أصبح لفظ (في حُبِّ..) وصفًا لحالةٍ ثقافية عامة، ولم ينحصر في كونه تعبيرًا عن وجدان فردٍ واحد. ‏‎وإلى ذلك كله، فإنَّ هذا الكتاب عمل أدبيٌ ونقديٌ مهمٌ، يحفظ جانبًا من أثر غازي القصيبي في الثقافة الوطنية والعربية، ويكشف دواعي تعلُّق القُرَّاء بأدبه وشخصيته، ويقدِّم نموذجًا للكتابة التي تمتزج فيها حرارة العاطفة برصانة النقد، فينتج عنهما معًا عملٌ يبعث المتعة، ويثير التأمُّل، ويغري القارئ بالعودة إلى آثار القصيبي، واستئناف الصُّحبة معها مراتٍ كثيرة.