«سوار» وأخطاء المستشفيات.

في عام 2003 وفي أحد مستشفيات مدينة نجران وقع ما لا يمكن أن يخطر ببال أي أب أو أم، حيث تم تبديل طفلين حديثي الولادة أحدهما سعودي والآخر تركي، ليعيش كل منهما أربع سنوات في أحضان أسرة ليست أسرته، إلى أن كشفت اختبارات الحمض النووي في عام 2007 هذا الخطأ الفادح. هذه القصة، التي سبق أن اثيرت في الرأي العام السعودي، وجدت طريقها إلى الشاشة الكبيرة في فيلم «سوار» من إخراج أسامة الخريجي، لكن هل نجح الفيلم في ترجمة هذا الألم الإنساني العميق إلى تجربة سينمائية مؤثرة؟ الإجابة للأسف ليست بذلك الوضوح. الفيلم يستند إلى حادثة حقيقية وهذا يمنحه ثقلاً وجرأة في السينما السعودية. يمتلك «سوار» نية صادقة تُحسب للمخرج منذ اللحظة الأولى، وهو يحاول الخروج عن التنميط الاستهلاكي ليقدّم تجربة إنسانية حقيقية من باب المواجهة. لكن المفارقة أن هذه النية الصادقة لم تترجم بالكامل على الشاشة. فالمعالجة السردية جاءت أقرب إلى التوثيق الهادئ منها إلى الدراما المكتملة. القصة تحمل في جوهرها بذرة درامية ثقيلة: هوية مفقودة، وحب مشروط، وأبوة مزدوجة، وقرار مستحيل. لكن السيناريو حال دون بلوغ الفيلم ذروته الدرامية. في المقابل لا يمكن إنكار الجهد البصري المبذول. نجح فريق العمل في تقديم صورة ثرية تعكس البيئة النجرانية، من الأزياء واللهجات إلى تفاصيل الأعراس والمجالس. وقد أخرج المخرج مدينة نجران بجمالها على الشاشة المحلية. أما على صعيد الأداء التمثيلي فقد كانت «سارة البهكلي» التي جسدت دور الأم، بحس داخلي صادق لا يحتاج إلى كلمات، وجعلت كل لحظة صمت تحمل وزنًا دراميًا. كما برز الطفل «عمر الجريد» الذي قدم لحظات من الكوميديا الذكية دون أن يكسر الإيقاع العام للفيلم. هذا وضم طاقم العمل الأساسي كلاً من فهيد الدمناني، ويوسف ديميروك، وعلي آل شكوان، وتوجس يولكو، وسيكان جينتش. ما يثير التأمل حقًا أن قصة «سوار» ليست حالة معزولة، فظاهرة تبديل المواليد، كما تشير الكثير من المعلومات، حدثت في مجتمعات أخرى حول العالم بتنوع صادم في تفاصيلها وعواقبها.في الولايات المتحدة وقعت حالات عديدة: ففي عام 1978، تم تبديل كيمبرلي مايز وأرلينا تويغ في مستشفى بولاية فلوريدا. وفي عام 1941 تم تبديل توم جونسون وهربرت بنيامين ريبمان في مستشفى بولاية ميشيغان، ولم يُكتشف الخطأ إلا في عام 2019 بعد اختبارات جينية. وفي قضية أخرى بولاية فرجينيا الغربية عام 1942، رفع الرجلان دعوى قضائية بعد اكتشاف التبديل. وفي حادثة حديثة، رفعت عائلتان في نورث داكوتا دعوى قضائية ضد مستشفى تتهمه بتبديل طفلين قبل 38 عامًا. وفي هولندا تم تبديل طفلتين في مركز ليدن الجامعي الطبي عام 1931، ولم تثر الشكوك إلا بعد عقدين عندما التقت الفتاتان في حفل زفاف وتساءلتا عن التشابه المعكوس بين كل منهما وعائلة الأخرى. وفي اليابان اكتشف سائق شاحنة يبلغ من العمر 60 عامًا أنه تم تبديله عند الولادة عام 1953 مع طفل من عائلة ثرية، وعاش عقودًا في فقر قبل أن يحصل على تعويض قيمته مليون رينغيت. كما كشفت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا عن عدة حالات لتبديل أطفال في أقسام الولادة. وفي كينيا فتحت الشرطة تحقيقًا في مزاعم بتبديل طفل عند الولادة. والأكثر إثارة للقلق أن بعض حالات التبديل كانت متعمدة. فهناك تقارير عن تبديل متعمد وسرقة أطفال بحجة موتهم وشبكات مافيا تبيع الأطفال. هذه الحالات وغيرها الكثير التي ربما لم تُكتشف بعد، تطرح سؤالاً جوهريًا: كيف يمكن لمنظومة صحية أن تسمح بخطأ كهذا؟ والأهم: كيف يمكن منع تكراره؟ إن ما حدث في نجران عام 2003 وما يحدث في مستشفيات حول العالم يدعو وزارات الصحة في كل مكان إلى مراجعة جادة لإجراءات مراقبة غرف الولادة وحاضنات الأطفال. لقد سنّت بعض الدول تشريعات في هذا الشأن، مثل «قانون حماية الرضع ومنع تبديل الأطفال» الذي يلزم المستشفيات بوضع إجراءات أمنية للحد من احتمالية تبديل الأطفال. فيلم «سوار 2025» محاولة جريئة ومهمة في مسيرة السينما السعودية. قيمته تكمن في كونه نافذة على جرح اجتماعي لم يندمل بعد. لكن الفيلم رغم نيته الصادقة وجمالياته البصرية، يظل تجربة لا بأس بها دراميًا، فهو عجز عن تحويل الألم إلى شعور حقيقي يصل إلى المشاهد. وربما تكون الرسالة الأهم التي يحملها «سوار» هي الدعوة الصامتة التي يطلقها تجاه أخطاء المستشفيات الفادحة، ولوزارات الصحة في كل مكان، أن السوار في معصم الطفل يمكن تبديله بسهولة.