الراحل البليهشي... كما سمعت منه.

في سنواته الأخيرة، كان الأديب محمد بن صالح البليهشي يتردد على مقر نادي المدينة المنورة، يتأمل جنبات ذلك الصرح الذي شهد مع بقية الرفاق ولادته عام 1395هـ، والعبارات التي طبعوها على تلك الجدران، وأبيات الشعر، والصور لمن شاركوا في فعالياته. كنا نقابل البليهشي مع الزملاء نايف فلاح، وعبدالعزيز الرفاعي، وقايد الحارثي، وسكرتير النادي فايز طاهر كان يأتي النادي قبل صلاة الظهر بسويعات، متوكئًا على عصاه، بعزيمة ذلك الجيل الذي لا يعرف الكلل والملل في مضمار الكلمة الجميلة التي كانت وقودهم الدائم. وكان يستعرض لنا ذكرياته مع أدباء أسرة الوادي المبارك التي نشأت في السبعينات الهجرية من القرن المنصرم، وعلاقته الخاصة مع الأديب عبدالعزيز الربيع، رئيس نادي المدينة المنورة الأسبق، رحمه الله. وحدثني عن قصة جمعه لمؤلفات الربيع، وكيف كانت عبارة عن أوراق مشتتة هنا وهناك، وقام النادي الأدبي بطباعتها، وكان البليهشي حينها عضوًا في مجلس إدارة النادي، وخرجت كما هي موجودة الآن. ما تركه البليهشي من مؤلفات يمكن العودة إليه في كتبه، لكنني أتحدث عمّا سمعته منه داخل النادي وفي بعض المناسبات. دعاني مرة إلى جلسته العامرة التي كان زملاؤه في العمل يحضرونها منذ سنوات، ومعظمهم من سلك التعليم. قدّمني بكلمات لطيفة، وأتاح لي الفرصة أن أقرأ بعض نصوصي الشعرية. وفي داخل النادي، كان يحدثنا كيف كانت الفعاليات تعقد في مجالس الأدباء قبل أن يصبح له مقر في قباء، ثم مقره الأخير في القبلتين. أديبنا محمد البليهشي عاشر الأدباء على امتداد أجيال، ولم يطوِ كشحًا عن الأدباء الشباب، وكان يحضر مناسباتهم. وهو ممن جمعوا بين روح القرية والمدينة، تلمس ذلك في ملامحه وكلامه ولهجته، ورحلاته بين المدينة ووادي الفرع. في سنواته الأخيرة، أصدر كتاب “من حوارات الربيع”، يتضمن حوارات الربيع المتناثرة في الصحف والمجلات، ودوّن حلقات تحت عنوان “رموز في الذاكرة” عن الأدباء والمبدعين، وعدد من رجالات المدينة المنورة. لست الأقرب لسواحل هذا الأديب والمربي الفاضل، لكنني أسجلها شهادة ثقافية كما أدركتها. عاصر البليهشي جيلًا كتب بالطبشورة وحفر كلماته على الورق، وواكب جيلًا رقميًا يكتب خلف شاشات ذكية، وفي جميع تلك المحطات بقي أبو قاسم رحمه الله مخلصًا لحرفه وذاكرته.