محمد صالح البليهشي.. كما عرفته.

تعود علاقتي بالأستاذ الأديب والمربي محمد صالح البليهشي -رحمه الله- إلى سنوات الدراسة الجامعية، حين كنت أتردد بين الحين والآخر على النادي الأدبي بالمدينة المنورة، شغوفًا بحضور أمسياته ومحاضراته الأسبوعية. وكان من جميل ما يميز تلك المرحلة أن تُختتم كل محاضرة بتوزيع كتاب من إصدارات النادي أو من مؤلفات الضيف. وفي أحد الأيام، وبعد انتهاء إحدى المحاضرات، استوقفني الأستاذ محمد البليهشي، وأمسك بيدي قائلاً: «أريدك، لا تخرج» رافقته وأنا لا أعلم ماذا يريد، فإذا به يهديني جميع إصدارات النادي الأدبي المتوافرة آنذاك، ثم وجّه أحد العاملين إلى حملها معي حتى سيارتي. كان موقفًا بسيطًا في ظاهره، لكنه ترك في نفسي أثرًا عميقًا، وكشف لي جانبًا من شخصية هذا الرجل الكريم، الذي لم يكن يرى في الكتاب سلعة، بل رسالة، ولم يكن يبخل بالعلم على طالبه أو بمحبة على من يقصده. كنت أدرك مكانته الأدبية والثقافية والتربوية، فقد كان صاحب حضور راسخ في الصحافة والكتابة والتوثيق، كما عُرف بإسهاماته الاجتماعية الواسعة، حتى أصبح من الشخصيات التي أجمع الناس على محبتها واحترامها، لما عرفوا فيه من تواضع ونبل وصدق في التعامل. ومضت الأيام، والتحقت بالعمل في الميدان التعليمي مشرفًا للإدارة المدرسية بمنطقة المدينة المنورة، وكنت أحد أعضاء لجنة تقييم المدارس الأهلية. وفي إحدى الزيارات كانت وجهتنا إلى المدرسة التي أسسها وامتلكها آنذاك، وهي مدارس القصواء. وهناك رأيت جانبًا آخر من شخصية الأستاذ محمد البليهشي. فعلى الرغم من أنه كان مالكًا للمدرسة، فإن أولياء الأمور والمراجعين كانوا يقصدونه شخصيًا، ويبحثون عنه قبل أي مسؤول آخر، إيمانًا منهم بأنهم سيجدون عنده قلبًا رحيمًا قبل أن يجدوا مديرًا أو مالكًا. ولقد رأيت بعيني مواقف إنسانية يصعب نسيانها؛ إذ كان يتنازل عن بعض الرسوم الدراسية، أو يعفي الأسر المتعففة من الالتزامات المالية عندما يدرك عجزهم عن السداد، فيخفف عنهم همًّا، ويرسم على وجوههم ابتسامة امتنان. ولم يكن يفعل ذلك طلبًا لثناء أو شهرة، وإنما كان يرى أن رسالة التربية أسمى من أن تقف عند حدود الأرقام والحسابات. ذلك هو محمد صالح البليهشي الذي عرفته؛ أديبًا يحمل هم الكلمة، ومربيًا يصنع الإنسان، وإنسانًا كبيرًا بخلقه قبل مكانته. وما بقي في الذاكرة ليس ما كتب فحسب، بل ما زرعه في نفوس الناس من مواقف نبيلة، ستظل شاهدة على سيرته العطرة، وداعية له بالرحمة والمغفرة ومضت الأيام، وازدادت معرفتي بالأستاذ محمد صالح البليهشي، حتى أصبحت أسمع من مواقفه الإنسانية ما يؤكد أن ما رأيته منه لم يكن استثناءً، بل كان نهجًا ثابتًا في حياته. ففي أحد الأيام كنت أتحدث مع زميل عزيز في العمل، كانت تربطه بالأستاذ محمد البليهشي علاقة وثيقة، فأخبرني بموقف لم يزل حاضرًا في ذاكرتي. كان ذلك الزميل يمر بظروف مالية صعبة، ولم يكن يملك سيارة يعتمد عليها، وكانت مركبته القديمة كثيرة الأعطال، مما أثقل عليه أعباء الحياة والعمل. ولم يكن قد شكا حاله لأحد، إلا أن الأستاذ محمد البليهشي علم بما يعانيه. قال لي الزميل: «في ذلك اليوم اتصل بي الأستاذ محمد، وطلب مني الحضور، أو أرسل إليّ من يسلمّني ظرفًا» وحين فتح الظرف وجد فيه مبلغًا من المال يكفي ليعينه على شراء سيارة تخفف عنه مشقة التنقل، وتيسر له أمور حياته. وقد انتقل هذا الزميل إلى رحمة الله بعد سنوات، لكن شهادته بقيت شاهدة على خلق رجل لم يكن ينتظر شكرًا، ولا يسعى إلى ثناء، وإنما كان يرى أن قضاء حوائج الناس عبادة، وأن الوقوف مع المحتاج من أسمى صور الوفاء للمجتمع. ولم أستغرب هذا الموقف؛ فقد كان منسجمًا تمامًا مع الشخصية التي عرفتها عن قرب. كان محمد صالح البليهشي رجل قيم، وصاحب مروءة، ومربيًا يؤمن بأن التربية ليست كلمات تلقى في القاعات، بل سلوك يُترجم إلى مواقف، وأثر يلامس حياة الناس. ولذلك بقيت مواقفه الإنسانية حاضرة في ذاكرة كل من عرفه، لأنها كانت تصدر بعفوية وإخلاص، بعيدًا عن الأضواء، وقريبة من قلوب الناس. ولم يكن أثر الأستاذ محمد صالح البليهشي مقتصرًا على مواقفه الإنسانية، بل كنت أتابع أيضًا مسيرته الكتابية بشغف. فقد كان قلمه حاضرًا في صحيفة المدينة، ولا سيما من خلال زاويته «رسائل إلى ابني» في ملحق الأربعاء، وهي زاوية حملت الكثير من القيم والتجارب والحكمة، كما كان وفيًا لتوثيق سير الرجال والأعلام في المدينة المنورة، مؤمنًا بأن الأمم تحفظ ذاكرتها حين تحفظ سير رجالها. وكان -رحمه الله- حاضرًا في المناسبات الثقافية والاجتماعية، لا يتخلف عن مجلس علم، ولا عن مناسبة وطنية أو أدبية، بل كان يرى في حضوره مشاركةً ودعمًا وتقديرًا للآخرين. ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي أنه اتصل بي ذات يوم، ودعاني إلى لقاء في مزرعته بوادي الفُرَع، وقد ضم اللقاء معالي مدير جامعة طيبة آنذاك الدكتور عبدالعزيز السراني، إلى جانب نخبة من الأدباء والمثقفين والأصدقاء. ولم تكن دعوته بالنسبة لي دعوة عادية، بل كانت وسامًا أعتز به. وما زلت أذكر كلماته التي قالها وهو يؤكد حضوري: «إذا ما معك سيارة، نرسل من يجيبك.» لم تكن تلك العبارة مجرد مجاملة، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن حرصه على من يدعوهم، واهتمامه بأن يكون الجميع حاضرًا دون أن تحول بينهم وبين اللقاء أي عوائق. لقد لامست تلك الكلمات قلبي، فحرصت على تلبية الدعوة، وكانت من أجمل المجالس التي حضرتها؛ مجلسًا جمع بين العلم والأدب والألفة، وأظهر لنا جانبًا آخر من شخصيته، بعيدًا عن الرسميات، قريبًا من النفوس. كان رجلًا بسيطًا في هيئته، عفويًا في حديثه، كريمًا في ضيافته، نقي السريرة، يحمل في قلبه بياضًا نادرًا، ويعامل الناس بمحبة صادقة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يحبه الناس، وأن يبادلهم المحبة والوفاء. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنه أن سيرته كانت تسبقه إلى المجالس، فما من مجلس جلست فيه، ولا من حديث دار عنه، إلا وكان الثناء عليه حاضرًا، والدعاء له صادقًا، والإشادة بأخلاقه ومروءته تملأ القلوب قبل الألسنة. وتلك، في ظني، أعظم شهادة يمكن أن ينالها الإنسان؛ أن يرحل ويبقى جميل الذكر، حسن الأثر، حاضرًا في دعوات الناس ومحبتهم ومن المواقف التي لا تزال راسخة في ذاكرتي أنني نظمت لقاءً دعوت إليه الشيخ حضاض اليزيدي والشيخ عبداللطيف بن ريبق، شيخ وادي الفُرَع. ولم أكن قد وجهت دعوة خاصة للأستاذ محمد صالح البليهشي، لكنني فوجئت بحضوره بين الحاضرين. ولما رحبت به، قال بابتسامته المعهودة: «هذا مكاني… وأنا أجيه.» كانت عبارة قصيرة، لكنها حملت في طياتها معاني الوفاء، والتواضع، والحرص على المشاركة في كل عمل يجمع أهل العلم والأدب والمحبة. لقد وقفت عند ذلك الموقف طويلًا، وأكبرت هذا الرجل أكثر مما كنت أكبره من قبل. فقد تعلمت منه أن الثقة الحقيقية بالنفس لا تحتاج إلى مظاهر، وأن التسامح والتصالح مع الناس يرفعان قدر الإنسان، وأن الكبار هم أول من يبادرون بالحضور والمؤازرة دون انتظار دعوة خاصة أو اهتمام استثنائي. وكان للأستاذ محمد صالح البليهشي فلسفة خاصة في التعامل مع الناس، فلسفة تقوم على البساطة، وعدم التكلف، وإكرام الآخرين، وألا يكون سببًا في إحراج أحد أو إثقاله. ولذلك كان حضوره مصدر سرور وطمأنينة، ليس لي وحدي، بل لكل من كان في ذلك المجلس. وأستطيع أن أقول بكل صدق إن ذلك الموقف كان درسًا من دروس الحياة التي لا تُنسى. فقد علمني أن الرجال تُعرف بمواقفها، وأن الأفعال أبلغ من الأقوال، وأن القيم الحقيقية لا تُلقى في الخطب والمحاضرات، وإنما تُترجم إلى سلوك يومي يراه الناس ويشهدون به. ولعل هذا الموقف كان من أكثر المواقف التي عمّقت تقديري له، وغيرت كثيرًا من القناعات في داخلي؛ إذ رأيت بأم عيني كيف يصنع الموقف الواحد أثرًا يبقى في النفس سنوات طويلة، وكيف يترك الرجل النبيل بصمته في القلوب قبل أن يتركها في الكتب. وحين انطلقت مبادرة الشريك الأدبي، لم يكن هناك من أراه أحق بأن يكون ضيف اللقاء الافتتاحي للحديث عن المدينة المنورة من الأستاذ الأديب محمد صالح البليهشي -رحمه الله-. فقد كان ذاكرةً نابضة للمدينة، وعارفًا برجالها، ومؤرخًا لأدبها، وحارسًا لذاكرتها الثقافية. تواصلت معه، وكان حينها يعاني من ظروف صحية، ومع ذلك لم يتردد، واكتفى بكلمته التي ما زالت ترن في أذني: «أبشر» كانت كلمة تختصر شخصيته كلها؛ رجل لا يعتذر عن خدمة الثقافة، ولا يتأخر عن تلبية دعوة يرى فيها نفعًا للناس. وحضر ذلك اللقاء، فكان لقاءً ثريًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل أراه من أكثر اللقاءات تميزًا وتأثيرًا في مسيرة المبادرة. لم يكن حديثه مجرد استعراض للمعلومات، وإنما كان حديث عاشق للمدينة المنورة، ووفيٍّ لرجالها. ولا أنسى حديثه المؤثر عن الأستاذ عبدالعزيز الربيع، واستحضاره لما ورد في كتابه ذكريات طفل وديع، وكيف كان يستنطق الذكريات ويمنحها حياة جديدة بأسلوبه العذب ووفائه النادر. وكان ذلك اللقاء هو باكورة لقاءات الشريك الأدبي، كما كان آخر لقاء جمعني بالأستاذ محمد صالح البليهشي. ومنذ ذلك اليوم بقي صوته حاضرًا في ذاكرتي، وبقيت كلماته، وتشجيعه، وتحفيزه، ومواقفه، نبراسًا أستضيء به كلما تذكرت معاني الوفاء والعطاء. لقد كان الأستاذ محمد صالح البليهشي شخصية استثنائية بكل المقاييس؛ مربيًا، وأديبًا، وصحفيًا، ومؤرخًا، وإنسانًا قبل كل شيء. خدم وطنه بإخلاص في ميادين التربية والأدب والثقافة، وكان ابنًا بارًا للمدينة المنورة، حملها في قلبه وقلمه، وترك فيها أثرًا سيبقى ما بقيت الذاكرة. ومن أعجب ما يلفت في شخصيته أنك إذا سرت معه، أو حضرت مجلسًا برفقته، وجدت الناس يتسابقون للسلام عليه، ويستقبلونه بمحبة صادقة، وكأن لكل واحد منهم معه قصة جميلة أو موقفًا لا يُنسى. وتلك منزلة لا يصنعها المنصب، ولا تحققها الشهرة، وإنما تصنعها الأخلاق، والصدق، والإحسان إلى الناس. أما أنا، فما عرفت من الأستاذ محمد صالح البليهشي إلا جانبًا من شخصيته، لكن ذلك الجانب كان كافيًا لأدرك أنني أمام منظومة متكاملة من القيم والوفاء والكرم والتواضع. وكل موقف جمعني به كان يضيف إلى رصيدي درسًا جديدًا في الإنسانية قبل الأدب، وفي الأخلاق قبل الثقافة. وفي ليلة وفاته هاتفت أخي الأعز قاسم البليهشي وسألته عن أحواله وكعادة أبي محمد مطمئن وقال دعواتك له وفي صباح اليوم التالي أرسل لي رسالة حملت خبر وفاته ولا نستقبل أمر الله إلا بالحمد والشكر والقبول وهذا حال كل أحد . كانت الصدمة كبيرة جداً لكنها أقدار الله وما رأيته من أن يشهد جنازته ويصلى عليه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلـم يتقدمهم صاحب السمو الملكي الأمير نهار بن سعود بن عبد العزيز آل سعود نائب أمير منطقة المدينة المنورة وجمع كبير من أهل المدينة المنورة، وأمتد ذلك العزاء بحضور الكثير ومشاركة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان آل سعود أمير منطقة المدينة المنورة إلا شاهد على مكانته عند الجميع. رحل البليهشي وترك من الأبناء من يخدم وطنه كل في مجاله وهذا نجله الأكبر الأستاذ قاسم، أحد أبرز من خدم التعليم في المدينة المنورة، وكذلك معالى المهندس فهد أمين منطقة المدينة المنورة، وجميع أبناءه على خير وصلاح.. وكما قال تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}. وإننا نتطلع أن يدّون شارع أو معلم باسم الأستاذ محمد صالح البليهشي سواء في المدينة المنورة أو فى موطن ولادته بوادي الفرع تكريماً وتقديراً لمثل هؤلاء الأعلام . رحم الله أستاذنا محمد صالح البليهشي رحمةً واسعة، وغفر له، وعفا عنه، وأكرم نزله، ورفع درجاته في عليين، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وجزاه عن المدينة المنورة، وعن الأدب، وعن التربية، وعن كل من عرفه وأحبّه، خير الجزاء. وستبقى سيرته العطرة ومواقفه النبيلة شاهدًا على أن الرجال يرحلون بأجسادهم، لكن آثارهم الطيبة تبقى حيّة في القلوب والذاكرة