احتفل أولاد وأصدقاء الاستاذ عبدالرحيم الأحمدي بمناسبة بلوغه التسعين من عمره ومرور ثلاث وثلاثون عاما على تقاعده من العمل في الأمانة العامة لمجلس التعاون وتأسيسه لدار المفردات للنشر والتوزيع ، ومرور خمس وعشرين سنة على اصداره لموسوعة (الأدب العربي السعودي الحديث) نصوص مختارة ودراسات . ط١ -٢٠٠١ م. وقد تبارى عدد من أصدقائه بإلقاء القصائد والأحاديث عن المحتفى به ومنهم الدكاترة: مرزوق بن تنباك، عبداللطيف الحميد، فايز البدراني، عايض الردادي، ومحمد الرويشد. ومن الأساتذة: سعد الغريبي، وابراهيم ناظر ومحمد المحمدي وغيرهم. وشاركت ببعض الذكريات التي جمعتني به لأكثر من نصف قرن ومما قلته عنه بالمناسبة : رحلتي مع الأحمدي «جاءت موتوكو كاتكاكورا من أقصى الشرق مرافقة لزوجها السيد كونيو كاتاكورا السكرتير الأول في سفارة اليابان بجدة، لم تكتف السيدة موتوكو كاتاكورا بوصفها زوجة دبلوماسي وما يتطلب هذا الوضع من جهد ليكونا الصورة المشرقة لبلاد الشمس المشرقة. بل راحت تبحث في ذكاء بلورته التجارب العلمية وصقله العزم عن مجال لدراستها ومصدر لنيل شهادة الدكتوراه التي ستقدمها بعد شهور لجامعة طوكيو .. اختارت وادي فاطمة كمتسع قروي وبدوي فسيح لدراستها.. عاشت حياة القرية بكل بساطتها.. سكنت الخيام وبيوت الشعر ولبست ملابس الوادي النسائية.. تحملت الشعور بالوحدة والغربة وقطعت المسافات لتجعل رسالتها عن النظام الاجتماعي والاقتصادي في الوادي .. قابلتُها في بيتها .. بل دعنا نسميه متحفها الصغير الذي ضم آثارا وتحفاً من كل مكان .. من ملابس بدوية وبراقع، ومقتنيات قديمة من صناديق وقرب الماء وغيرها.» بهذه المقدمة الجميلة روت الفنانة التشكيلية المبدعة «منيرة موصلي» مشاعرها وهي تقابل السيدة موتوكو، ونشرتها بجريدة المدينة المنورة في العدد 1904 يوم الخميس 27-4-1390هـ 1970 م تحت عنوان: ((يابانية في وادي فاطمة.. تحضر رسالة الدكتوراه عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المملكة) قالت أنها تعلمت أشياء كثيرة كانت تجهلها، منها أن المعرفة لا تنبع من التطور فقط وأن الإرادة وسياسة اكتساب قلوب الناس وعقولهم تصنع كل شيء من لا شيء. كان وقتها الاستاذ عبدالرحيم الأحمدي مديرا لمركز التنمية الاجتماعية بوادي فاطمة - إحدى ضواحي مكة المكرمة - وكان المركز يضم أقساماً للتربية والاجتماع والصحة والزراعة وغيرها، ويهدف إلى تطوير ورفع مستوى الوعي لدى سكان القرية ومن انتقلوا إليها من البادية بعد أن عاشوا حياة البادية متنقلين يرعون ماشيتهم ويبحثون عن الماء والكلا. والذي سهل للباحثة التعرف ومقابلة أهل القرية وبالذات الأمهات والبنات بشكل خاص مجموعة العاملين بالمركز الذي يعنى بالتنمية الاجتماعية والذي وجهها للمركز وعمّده بمساعدتها وزير العمل والشؤون الاجتماعية حينها معالي الشيخ عبدالرحمن أبا الخيل الذي وجه المركز مساعدتها، حتى أنها أصبحت تقيم بالوادي فترات طويلة حينا بالمركز وأحياناً كثيرة لدى السكان مضحية بحياة الرفاهية في سكن الدبلوماسيين بجدة. قالت عند سؤالها عن موضوع رسالتها وعن الصعوبات التي اعترضت طريقها: (لقد واجهت صعوبات كثيرة في البداية، ذلك لأن الموضوع الذي أعد رسالة عنه للدكتوراه يتطلب مني دراسة مجتمع خاص والاتصال بأعضاء المجتمع والاطلاع على سبل حياتهم ومعيشتهم وتطور الحياة عندهم، وبصفتي امرأة كنت في البداية أجد الصعوبة في التعرف عليهم وكسب ودهم. لكنني ذللت جميع هذه العقبات بفضل تعاون مركز التنمية الاجتماعية في وادي فاطمة وبفضل ما أظهر السكان من عطف عليّ بعد تعميق اتصالي بهم، وأخص هنا بالذكر وزارة الشؤون الاجتماعية ومديرية الزراعة والمياه فقد فعلتا كل ما في استطاعتهما لتسهيل مهمتي إذ ساعدتاني في شتى الأمور). وهكذا اندمجت مع الأسر ورصدت ملامح التحول لديهم من حياة البادية إلى حياة القرية والتحضر والاستقرار، فقالت تصف القرية وصعوبة توفر متطلبات الحياة: أن الكهرباء شحيحة وأن كل بيت شعبي يحتاج إلى أبسط أنواع الأثاث، وأمام كل باب ربطت عنز للاستفادة من حليبها، وقد عشت وعايشت هذه الأسر حتى أنني أحضر مناسبات أفراحهم وأتراحهم فأصبحت بمثابة واحدة منهم. بعد تعرفي على الاستاذ عبد الرحيم الأحمدي الذي انتقل بعد ذلك مديرا لمركز التنمية بالدرعية ثم للأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي ذكر أشياء من ذكريات هذه السيدة وزوجها السيد كونيو كاتاكورا الذي أصبح صديقاً له حتى الآن. قال أنه علم بمناسبة زواج هناك فاتفق مع زوجته على تقديم هدية وهي خروف وفق العادات التي تعلمتها الباحثة فذهبا واختارا خروفاً جميلا ادخلاه منزلهما وغسلوه بالشامبو والصابون وغذوه لمدة أسبوع، فأصبح يألفهم ويألفونه. ولما حانت المناسبة ذهبوا لمكان الحفل مقدمين الخروف ولمعرفتهما أن العادة تقضي بذبحه وتقديمه لمقدميه مطبوخاً فقد طلبا إعفاءهما من هذه العادة توفيرا، فالباحثة ستتناول العشاء مع المدعوات والرجل مع المدعوين. عادت بعد عشرين سنة لتزور القرية فوجدتها قد تغيرت، الشوارع مسفلتة والكهرباء وأصوات المكيفات تضج في كل بيت، وقد بنيت المساكن بشكل أفضل، وأصبح هناك حوانيت ومدارس وفيلات وقد أبعدت حضائر المواشي خارج القرية «قرية البشور» بمحيط قرية دف زيني، ولم يعد هنا رعاة أو وراد لبئر القرية أو حقولها. ولم تعد المنازل التي تعهد معروفة لتحولها إلى فيلات واختراق الطرق المعبدة للمنازل ولم تستطع الوصول إلى منازل معارفها. فذهبت ورفاقها إلى مدرسة البنين منفردة لتدخل المدرسة فظنوها إحدى الخادمات الهاربات. فمنعها أحد المدرسين وحاول طردها، فقالت له: ألست «عتيق»؟ قال نعم قالت أمك فلانة وأختك فلانه فتذكر وهو طفل صغير هذه السيدة التي اعتبروها كأحدهم فنادى على زملائه المدرسين ليستعيدوا ذكرياتهم معها عندما كانوا صغارا بعد عشرين عاما عرفت «عتيق» الذي عرفته طفلا فأصبح اليوم مدرساً ومثله المدرسون الآخرون. وقدمت دراستها ((البناء الاقتصادي لقرى البدو في وادي فاطمة - قرية البشور نموذجا)) صدرت باللغة اليابانية وترجمت إلى العربية بعنوان ((أهل الوادي)). أصيبت آخر حياتها بالسرطان فتوفيت عام 2013 م فأوصت بإنشاء مؤسسة كتاكورا لثقافة الصحراء ينفق على المؤسسة من تركتها المالية وتعرض فيها أبحاثها ومؤلفاتها ومكتبتها وتم تشكيل مجلس إدارة المؤسسة من باحثين لهم علاقة وطيدة بالمملكة وبالعالم العربي والإسلامي، ومنهم مدير المؤسسة البروفيسور نواتا الذي قام بدراسات في المجال الزراعي والبحري في البحر الأحمر ومنطقة عسير، أما رئيس مجلس الإدارة فهو زوجها السفير كونيو كاتاكورا. لقد أوصت السيدة كاتاكورا بمنح جائزة سنوية لمن أنجز عملاً ثقافياً في مجال ثقافة الصحراء وأطلقت عليها اسم ((جائزة الراحة)) ((يو توروغي)) وتعني الراحة تلك السعادة التي يشعر بها الإنسان عندما ينجز عملاً مفيدا للمجتمع. وقد منحت الجائزة لعام 2014 م لبروفيسور ياباني أشاع فكرة تشجير الصحراء في الصين. والجائزة الثانية صارت من نصيب الاستاذ عبدالرحيم الأحمدي لعام 2015 م لاهتمامه بثقافة وأدب الصحراء، وقدمت جائزة عام 2016 م للباحثة اليابانية الدكتورة يوكي كوناغايا عن دراستها عن حياة البدو الرحل في صحراء منغوليا. ومقدار الجائزة مليون يَن بما يعادل (خمسين ألف ريال) وقد اكتفى الأحمدي بالوسام وتنازل عن الجائزة المادية دعماً منه للمؤسسة. لقد كان لي شرف مرافقة الاستاذ عبد الرحيم الأحمدي مع ابنيه غسان وحيان قبل ثلاث سنوات، وكانت رحلة ممتعة تجولنا في أنحاء طوكيو ومعالمها ولمدة خمسة أيام وزرنا السفارة السعودية واستقبلنا السفير أحمد يونس البراك، وزرنا معهد اللغة العربية التابع لجامعة الإمام وغيرها وهكذا نجد من يحتفل بثقافة الصحراء هم اليابانيون الذين يعيشون حول وعلى الماء بجزر عديدة، وقد أعدوا لنا برنامجاً سياحياً خارج طوكيو شاهدنا خلاله قمة جبل فوجي وبركانه وما حوله، ومعالجة تنفس الأرض بالغازات تفادياً لانفجارها.