يوم خالد في مسيرة جامعة الملك خالد.

الباعث على كتابة هذه المقالة القصيرة تلك الفرحة الغامرة التي غمرت أصدقائي وزملائي في قسم التاريخ والآثار بجامعة الملك خالد, ومقرها أبها بمنطقة عسير, حينما تلقّوا ثلاث شهادات متتالية من هيئة تقويم التعليم والتدريب بالمركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي, متضمّنة الاعتماد الكامل لبرامج قسمهم في مراحلة الثلاث: البكالوريوس في المدّة من نوفمبر 25 – نوفمبر 2028م, والماجستير في المدّة من يناير 2026 – أكتوبر 2029, والدكتوراه في الفلسفة في المدّة من إبريل 2025 – مارس 2027م. فعادت بي الذاكرة إلى زمن كان فيه هذا القسم موزّعًا ومشتَّتًا بين كليّتين جامعيتين على مفترق طرق, إحداهما: كليّة التربية, وتتبع جامعة الملك سعود في الرياض, والثانية: كليّة اللغة العربية والعلوم الاجتماعية والإدارية, وتتبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض أيضًا. وكانت هاتان الكليتان مع كليّتين أُخْرَيَيْن هما: كليّة الطب, وتتبع جامعة الملك سعود, وكلية الشريعة وأصول الدين, وتتبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, هي الأساس الذي بُني عليه صرح جامعة الملك خالد الشامخ. وكان فيها من الطلاب وربما من الطالبات مع كليّات أخرى في المنطقة تخص المعلمين والمعلمات والعلوم الصحية ما يكفي لتأسيس جامعتين معتبرتين, وذلك لما عُرف عن الكثافة السكانيّة التي تتمتّع بها منطقة عسير والمناطق المجاورة لها. وهذا ما تنبّهت له قيادتنا الرشيدة حفظها الله, فسارعت إلى لمّ هذا الشتات من الكليّات والأقسام العلميّة في يوم خالد من أيّامها التي يُسجّلها لها التاريخ في صحائفه الخالدة بأحرف من ذهب , وأحمد الله أنني كنت أحد شهود عصْرِه, ورواة دَهْرِه, ذلكم هو يوم إعلان تأسيس جامعة الملك خالد, ووضع حجر الأساس لحرمها الجامعي على يد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله حينما كان وليًّا للعهد, ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء ورئيسًا للحرس الوطني . كان يومًا ربيعيًّا مشهودًا هو التاسع من شهر محرم الحرام عام 1419هـ الموافق للخامس من شهر مايو (أيار) عام 1998م حينما أقلّتنا من مطار الرياض طائرة خاصّة بمن فينا أعضاء مجلس الجامعة, وأعضاء المجلس العلمي الذي كان كاتب هذه الأسطر أحد أعضائه, يتقدّمنا مدير الجامعة – حينذاك – أ.د. عبدالله الفيصل, ووكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي أ.د. خالد الحمودي, وهو من كنت أجلس بجانبه في أثناء الرحلة على النافذة من على يمين الطائرة, وكان كلّ من في الطائرة فرحًا ومبتهجًا بحضور تلك الاحتفاليّة التاريخيّة الخالدة التي دُعينا جميعًا لحضورها بمناسبة ما أشرت إليه سابقًا من إعلان تأسيس جامعة الملك خالد, ووضع حجر الأساس لحرمها الجامعي. ومما أسرّ به إليّ سعادة الدكتور خالد الحمودي وأنا بجانبه على ظهر الطائرة أن الجامعة الجديدة التي سيُعلن عن تأسيسها ذلك اليوم في منطقة عسير, سيُطلق عليها اسم: جامعة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز, وذلك طبقًا للأمر السامي الصادر بتأسيسها. وما أن حطّت بنا الطائرة في مطار أبها حتى أَلْفَيْنَا في ساحة المطار حافلات فارهة تنتظرنا هناك, لكي تقلّنا إلى حيث مكان الاحتفال الذي أقيم في ميدان فسيح تحيط به الخُضْرَة والنُّظْرَة, وتزيّنيه البَيَارِق الملوّنة, ولوحات الترحيب والحبّ والولاء, ويتصدّره سرادق أنيق متّسع يأخذ بعضه بأطراف بعض ليطلّ بواجهة مفتوحة على ميدان الاحتفال, حيث يجلس تحت ظلّه جمع غفير من الضيوف يتوسّطهم راعي الحفل صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني قبل أن يكون ملكا للبلاد رحمه الله, وعن يمين سموه ويساره ومن خلفه يجلس كبار الحضور من مدنيين وعسكرين وأعيان المنطقة يتقدّمهم أميرها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز, وأمام الحضور وغير بعيد من جلوس راعي الحفل رحمه الله نُصِبَت منصّة الحفل فوق بساط من أفخر أنواع السجاد وأجمله, وفي الجهة المقابلة صفوف متراصّة لرجال من مختلف الأعمار يؤدون رقصات شعبيّة رائعة على قرع الطبول والأزيار المصحوبة بجميل الأناشيد, والطروق العسيرّية المميّزة. كان الجو ربيعيًّا, والهواء منعشًا, والسماء غائمة, والفرح والسرور يسود المكان, ويعلو كل وجه. في تلك الأجواء الجميلة المنعشة انطلقت وقائع الحفل الذي كان بهيجًا حقًّا, وفي ختامه أعلن معالي وزير التعليم العالي الدكتور خالد العنقري صدور الأمر السامي الكريم من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز (رحمه الله) القاضي بدمج فرعي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة, وجامعة الملك سعود في أبها في جامعة واحدة جديدة تحت اسم: جامعة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز. وما كاد الجميع يصفّق حتى قفز الملك عبدالله (رحمه الله) من مكانه, واعتلى المنبر بقامته الفارعة, وابتسامته المعهوده, وشخصيّته المتكاملة, وقال: «بسم الله الرحمن الرحيم. لخالد بن عبدالعزيز آل سعود في نفوسنا جميعًا مكانة مميزة لذلك أعلن تسمية هذه الجامعة باسمه بدلًا من اسمي» فتعالى التصفيق والهتافات إعجابًا بشهامة الملك عبدالله ومرؤته ونُبْلِه, وحبّه لإخوانه الملوك الذين سبقوه, ثم وضع سموه حجر الأساس لهذه الجامعة الجديدة المتجدّدة التي ما لبثت أن شبّت عن الطوق, وكبرت ونمت وتوسّعت, وخرّجت علماء أفذاذ في كل فنّ من فنون المعرفة البشريّة, وخرج من رحمها ثلاث جامعات فتيّة هي: جامعة جازان, وجامعة نجران, وجامعة بيشة, وكليّات أخرى متخصّصة في بعض محافظاتها, دون أن يؤثّر ذلك في مسيرتها, أو يحدّ من نموها وتوسّعها, فهي شامخة شموخ جبالها الشُّمّ, وكبيرة كبر هِمَم من هم تحت مظلتها من الأكاديميّين والإداريّين والتلامذة, ومن يزر موقعها في الوقت الحاضر يلحظ أنها تضمّ 26 كليّة معتمدة وموزعة على 27 مقرًا جامعيًّا, ويبلغ عدد الدارسين فيها 61.708 طالبًا وطالبة, وعدد أعضاء هيئتها التدريسية 3.136 رجالًا ونساءًا, وعدد العاملين فيها بنين وبنات 2.126 فردًا, فهي من الجامعات الكبيرة الناهضة في بلادنا, وفقها الله, وأعانها على النهوض برسالتها وأهدافها على أكمل وجه, ووفّق جميع العاملين فيها وسدّدهم إلى ما فيه الخير والصلاح لهم ولجامعتهم ومجتمعها وللوطن بعامة.