حين نتحدث عن «الوحدة» في السياق العربي، يتبادر إلى الذهن مشروعٌ سياسي راود الوجدان الجمعي عقوداً طويلة، لكنه ظل حلماً مؤجلاً، أو تجربةً عابرةً سرعان ما تصدعت، جامعة الدول العربية التي تأسست عام ١٩٤٥ تضم اليوم اثنتين و عشرين دولة، لكنها ظلت إطاراً رمزياً، لا اندماجاً فعلياً، و الجمهورية العربية المتحدة بين مصر و سوريا لم تصمد سوى ثلاث سنوات، و اليمن الذي توحد عام ١٩٩٠ انزلق إلى حربٍ أهلية بعد أربع سنوات، ثم إلى تفتتٍ أعمق منذ عام ٢٠١٤، و ليبيا، و العراق، و سوريا قدمت جميعها نماذج لدولٍ رُسمت حدودها بأقلامٍ أجنبية، فورثت تحدياتٍ بنيوية أسهمت في مسارات انقسامها، و في مقابل هذا المشهد المتقلب، تقف التجربة السعودية استثناءً تحول، بفعل تكراره و صموده عبر الزمن، إلى قاعدة، و إذا قيست الوحدة بمعيار رسوخ الاندماج الداخلي و استمراره التاريخي، لا بقِدم الدولة وحده، فإن هذه التجربة تتفوق على نظيراتها بفارقٍ واضح. و هنا يكمن الفارق الجوهري الذي يمنح هذه الوحدة تفوقها التاريخي، بينما وُلد عددٌ كبير من الكيانات العربية الحديثة من رحم الانتداب و الاستعمار، برسم حدودٍ لم تراعِ واقعها الاجتماعي و القبلي، كانت الوحدة السعودية صيغةً محليةً خالصة، فالإرادة المحلية حركت هذا التوحيد أولاً، و لم يكن غياب الاستعمار المباشر عن نجد، قلب هذا البناء و مهده، سوى عاملٍ مساعد أتاح لتلك الإرادة أن تعمل بلا وصايةٍ خارجية تعيد رسم ملامحها، و اعترفت بريطانيا باستقلال المملكة الكامل في معاهدة جدة عام ١٩٢٧م، لا كمنةٍ استعمارية، بل كإقرارٍ بأمرٍ واقع تحقق على الأرض. و لم تكن الوحدة الترابية وحدها كافيةً لو لم تصاحبها آليةٌ اجتماعية تذيب العصبية القبلية في هويةٍ جامعة، فحركة توطين البادية التي رافقت التأسيس حولت قبائل متناثرةً إلى مجتمعٍ تجمعه رايةٌ واحدة، و عقيدةٌ واحدة، بينما ظلت الشرعية متجذرةً في معنىً أعمق من حسابات السياسة، احتضان الحرمين الشريفين، الذي منح الدولة الناشئة حمولةً دينيةً تتجاوز العصبية القبلية و الإقليمية، و يمنحها تماسكاً رمزياً لا تملكه أي وحدةٍ سياسية أخرى في المحيط العربي. ثم جاء التعليم النظامي، فالإذاعة، و التلفزيون، لينقلا هذه الرابطة من عقيدةٍ تُتلى إلى نبضٍ يسري في يومٍ واحد يتقاسمه أبناء نجد، و الحجاز، و عسير، و الأحساء، فلم تعد الوحدة نصاً يُحتفى به في المناسبات، بل بديهةً يعيشها الناس دون أن يسائلوها. ثم جاء الاستقرار السياسي حمايةً ثالثةً لهذه الوحدة، فقد حصنتها الإرادة المحلية خارجياً في ظل غياب استعمارٍ مباشر، كما حصنتها الشرعية الدينية من العمق، فبينما تعاقبت الانقلابات على معظم العواصم العربية، من بغداد إلى دمشق إلى طرابلس، و تغيرت الأنظمة بحد السيف أكثر من مرة، حافظت المملكة على انتقالٍ سلمي للسلطة داخل الأسرة الواحدة منذ عام ١٩٣٢م حتى اليوم، و حين اكتشف النفط بكمياتٍ تجارية عام ١٩٣٨م، وُظفت عائداته لبناء مؤسساتٍ تعليمية، و إدارية، و إعلامية، وحدت أطراف الوطن اقتصادياً و ثقافياً، فتحولت الثروة من عامل تفتيتٍ محتمل إلى أداة تماسك. و قد يعترض معترضٌ بأن مصر تملك استمرارية دولةٍ تمتد آلاف السنين، و أن المغرب يحتفظ بعرشٍ علوي متصل منذ القرن السابع عشر، فكيف توصف الوحدة السعودية بالأقوى؟ و الجواب أن استمرارية الدولة شيء، و تحقيق الوحدة شيءٌ آخر مختلف الطبيعة، فمصر أمةٌ نهرية متجانسة تاريخياً، لم تواجه تحدي دمج أقاليم متباعدة و قبائل متنافسة في كيانٍ واحد، و المغرب، رغم عراقة عرشه، خضع لحمايةٍ فرنسية و إسبانية أربعةً و أربعين عاماً، بين ١٩١٢ و ١٩٥٦، قطعت خيط سيادته الكامل، أما الوحدة السعودية فتفردت بجمع الشرطين معاً، تأسيسٌ حديثٌ لم تنقطع سيادته يوماً بقرارٍ أجنبي، و دمجٌ فعلي لمناطق متعددة الولاءات و الانتماءات في كيانٍ واحد لم يتفكك منذ اكتمل. و قد يقال أيضاً إن التأسيس نفسه لم يخلُ من نزاعاتٍ داخلية، و هذا صحيح، لكن رسوخ الوحدة يقاس بعد اكتمال التوحيد و إعلان المملكة عام ١٩٣٢م، لا في مرحلة البناء ذاتها التي تشهد صراعاتٍ كأي تأسيس. و الدليل الأبقى على رسوخ هذه الوحدة أنها لم تكن حالةً تاريخية جامدة، بل استمرت في تجديد نفسها مع كل جيل، فرؤية ٢٠٣٠ اليوم ليست سوى الفصل المعاصر من المشروع ذاته، مشروعاتٌ عملاقة تربط أطراف الوطن بعضها ببعض، و اقتصادٌ يعاد تشكيله ليتجاوز الاعتماد على مصدرٍ واحد، و جيلٌ شابٌ يعيد تعريف هويته الوطنية بلغة العصر، لا الماضي وحده، و كل ذلك إعادة صياغة للعقد الوطني الذي وحد الأرض و الناس قبل أكثر من قرن، بأدواتٍ مختلفة، و لكن بروحٍ واحدة. و هكذا تغلق الدائرة حيث بدأت، من حصنٍ في قلب نجد إلى دولةٍ تتحدث بلسانٍ واحد، و تحمل هويةً واحدة، لم تفتتها حربٌ أهلية، و لا انقلابٌ عسكري، و لا حدودٌ مصطنعة، فحين تقاس الأمم بمقدار صمودها، لا بحجم شعاراتها، تبقى الوحدة السعودية شاهدةً على أنها لم تكن مجرد لحظة تأسيس، بل معادلة وجودٍ لا تزال تكتب فصولها.