هل قرأتَ كلّ هذه الكتب؟.

يبادرني بعض الأحباب في مكتبتي المنزلية المتواضعة أحياناً بالسؤال بشيء من الدهشة: “هل قرأت هذه الكٌتب كُلّها”؟ وقد تعلّمتُ مع الزمن أن أُجيب كما أجاب “جبرا إبراهيم جبرا” حين قال: “لقد اطّلعتُ عليها كُلّها”! وقد أحسن جبرا في اقتناص أصدق وأدقّ الكلمات في إجابته. ولرُبّ قاريء قال لنفسه: لم كلّ هذه الكُتب، ولم كل هذه القراءة؟ والحقيقة أن ألمُستويات المدنية عند الشعوب المُتقدّمة اليوم تُقاس بعدد الكُتب المطبوعة في هذه الثقافات، ولربما كلام كثير وكُتبٌ عديدة تُساعدنا على فهم أو تطبيق فكرة صغيرة، أو شرح طويل يُساعدنا على إدراك مفهوم عميق.. ففي رواية “الخيميائي” لباولو كويلو، يقول الرحّالة الإنجليزي لبطل الرواية، الشاب الأسباني،: “إن أهمّ بحث في الكيمياء جاء في بضعة أسطُر”، فقال الشاب: “فلِمَ إذن كلّ هذه الكُتب”؟ فأجاب الرحّالة: “لكي تُساعدنا على فهم تلك الأسطر القليلة”! فإذا كان الأمر كذلك أدركنا لِمَ يسيرُ المرء كلّ تلك الدروب الطويلة، ويتعثّر في محطّات الفهم، ويُعاني عسير الكُتب؟ والمنطق يقول: أن لا ضير في ذلك، فقد يكون الفهم عملاً يسيرُ المرء فيه، والمحاولة هي الفهم وطريقُه، فقد تكون رحلةٌ ما هي السَّير نفسه، والطريق هو الغاية، والوعي بالدّنيا خليطٌ من هذا وذاك؛ من كتابٍ وكلمة، ومن قِصّة حيوان ومسيرة شجرة، وغيمة وغمرة في بحر.. إذ تتعلّم من الذكي والخامل؛ فتأنس للذكاء الحادّ وترى فيه مِنحة ربّ العالمين، وتعجب مما يُخيّل إليك أنها بَلادة وقد تكون من الخير ومن العُمق الذي غابت عنك حِكمته. وقد يجد قاريء الكتب، بعد جُهدٍ من القراءة والتعب، من يقول: دع كلّ هذا، فما تتعلّمه من الحياة هو أحسن مما يُمكن أن تُعطيك إياه هذه الكتب، فيجعل من القراءة أقلّ مراتب العلم، ويجعل أعظم مراتبه ما تعلّمه الإنسان من تجاربه الشخصية في الأشياء والناس! ولكن هذا الرأي لا يُمكن أن يصمد أمام حقيقة أن الكتب هي حاملات للحضارة، فبدون الكتب: فالتاريخ صامت، والآداب ساذجة، والعلوم ناقصة، والتفكير والابتكار جامدان.. بدون الكتب يكاد التطوّر الحضاري ألا يكون، فالكتب هي مُحرّكات التغيير، وهي نوافذ على العالم الفسيح، ومنارات تُضيء بحار الأزمنة. ولكن من جانب آخر، لو كانت الكتب تسوق لنا الفهم، لكان أمر الفهم أمراً يسيراً، ولكانت البشرية أسعد بفهمها، ولكان الناس أقرب للملائكة ولأخلاق الأنبياء.. ولكن الفهم مطلبٌ عسير، تشيب له هامة الشيخ الجليل، وتنحني قامته وهو مُكِبٌّ على خير الكتب يطلب الفهم، ثم يُغادر العالم وهو يأمل في فهمٍ قد يجيء بعضه وقد لا يجيء، وقد كان الإمام “ابن تيمية” رحمه الله يُعفّر وجهه في المساجد القديمة، ويقول: “يا مُعلّم آدم علّمني، ويا مُفهّم سليمان فهّمني”. فليست الحكمة إذن وليدة الكتب وحدها، وليست كثرة القراءة دائماً ضماناًً للنضج، غير أنها من خير الدروب التي يسلكها الإنسان، فتوصله للحكمة والعلم والعمل الصالح. ولذلك فالبقاء المستمر مع الكتب فقط، بعيداً عن حركة الحياة اليومية، عُزلة عن المجتمع، ونقص في التجربة والفهم.. فالمطالعة عون على حركة المرء الدائبة لا تعويضاً عنها، والكتب مراجع للحياة لا بديلة لها، لأن أمر هذه الحياة بمُختلَف جوانبها مُهمٌّ أيضاً: التجارب والابتكار، والتمتّع بالجمال، والدهشة والإعجاب لكلّ جديد. القراءة هي النافذة نحو الحياة، ولكنها ليست السّجن الذي نُحبس فيه، كما أن هناك أشياء كثيرة غير القراءة تحبس العقل، وتجعله مُتلقيّاً سلبيّاً في حياتنا المُعاصرة..يقول “ستيفن كوفي” في كتابه “العادات السبع”: “إننا ما إن نترك مقاعد الدراسة، حتى يترك العديدون مِنّا عقولهم للتجمّد، فلا نقوم بقراءة جادّة، ولا نستكشف أيّة مواضيع جديدة بعُمقٍ حقيقي خارج دائرة عملنا، ولا نُفكّر بطريقة تحليلية نختبر فيها قُدراتنا الفكرية.. وبدلاً من ذلك نجلس في صمت أمام التلفزيون لساعات طويلة، والتلفزيون مثل الجسد: خادم جيّد وسيّد سيّء، والشخص الذي لا يقرأ ليس خيراً من الأُميّ الذي لا يعرف القراءة”. إن الرغبة في المعرفة الواسعة سِمةٌ رائعة إن استولتْ على الإنسان، لأنها لا تعود عليه بالفائدة وحده، بل تمُدّ نورها عبرهُ إلى مجتمع فسيح من البشر.. إنه نورٌ يهديها في ظُلمات جهلها، وكُلّما اتّسعت معارفه عَظُم نوره، وتنوّعت مآخذه وألوانه، وزاد الوجود من حوله جمالاً وبهاءً.