حدود الرواية التاريخية.
تسعى هذه المقالة إلى وضع حدود واضحة للرواية التاريخية بعد أن لاحظت وجود تداخل كبير بين اتجاهات الرواية الأدبية، إذ يختلط المفهوم عند بعض المتلقين، فيعدّ بعض الروايات الاجتماعية روايات تاريخية، ومن ذلك عدّ بعضهم رواية (شقة الحرية) لغازي القصيبي (رحمه الله) رواية تاريخية؛ لأنها تحدثت عن مرحلة سابقة، تمثلت في مرحلة الخمسينات. فالتداخل والخلط الظاهر عند بعض المتلقين دفعني إلى محاولة توضيح الفروق بين الرواية التاريخية والاتجاهات الروائية الأخرى. والسبب في هذا الخلط في المرحلة الأخيرة يرجع إلى ظهور روايات تاريخية اتخذت من العصر الحديث فضاء لها، وهذه الروايات تتداخل مع بعض الروايات الاجتماعية التي كتبت في مرحلة سابقة، مثل: ثلاثية نجيب محفوظ التي كتبت قبل أكثر من سبعين عاماً، فالمتلقي الحالي ينظر إليها وأمثالها من الروايات بصفتها روايات تاريخية. والقضية محسومة مع الروايات التي اتخذت من العصور السابقة للعصر الحديث فضاءات لها؛ إذ يجمع المتلقون على أنها روايات تاريخية، وإن كانت تتداخل- في بعض نماذجها- مع اتجاهات روائية أخرى، مثل: الروايات العجائبية والأسطورية. وبداية أشير إلى أن مفهوم الرواية يتمثل في أنها فن سردي تخييلي، ويعنى بسرد مجموعة من الأحداث، ويهتم بوصف الشخصيات، وفق أبعادها المختلفة؛ لتبدو للمتلقي كائناً مكتمل الملامح؛ لتبرير تصرفاتها وعلاقاتها بالعناصر الروائية الأخرى. وتعنى الرواية-أيضاً-بالفضاء الذي يحتضن الأحداث، وتنمو فيه الشخصيات وتتحرك، وأساليبها متنوعة، تتمثل في السرد والوصف والحوار بنوعيه. والمجال مفتوح أمام الروائيين لاختيار شخصيات رواياتهم أو أحداثها من الواقع الحاضر، أو التاريخ، أو الأساطير، ويحضر المرجع التخييلي مسانداً للمرجعيات السابقة، وقد يكون هو العنصر الرئيس في الروايات الخيالية المحضة، أو الروايات العجائبية. والرواية التاريخية: هي الرواية التي تتخذ من التاريخ عبر عصوره المختلفة موضوعاً لها، وعودة الروائي إلى الماضي عبر مراحله المختلفة؛ بحثاً عن أحداث مضت، وشخصيات اندثرت، لها وظائف متفاوتة؛ وتنتج تبعاً لذلك اتجاهات روائية مختلفة. وهي الرواية التي يمتزج فيها الواقع التاريخي بالتخييلي، مع اختلاف في طغيان أحد الجانبين على الآخر. ومن مفاهيمها أنها الرواية التي تتخذ من الماضي عبر عصوره المختلفة فضاء لها، وتتحدث عن أحداث وشخصيات تاريخية. وهي إما أن تروي الماضي أو تبعثه أو تجدده أو تفسره وتؤوله. وليست وظيفة الروائي مجرد الإخبار عن تلك الأحداث والشخصيات، فهذه وظيفة المؤرخين الذين كفونا هذا الأمر. والمقياس المقترح عندي لوضع حدود واضحة للرواية التاريخية النظر إلى زمن كتابة الرواية، فهل كان الكاتب معاصراً لتلك الأحداث؟ فرواية (شقة الحرية) لغازي القصيبي، و(ثلاثية نجيب محفوظ) -على سبيل المثال- تحدثت عن فضاء زماني عاصره الروائيان، ومن هنا نستطيع الحكم على تلك الأعمال بأنها روايات اجتماعية واقعية. ولو كتب اليوم روائي عن مرحلة لم يعاصر أحداثها، فستكون روايته تاريخية؛ لأنه يتحدث عن فضاء زماني لم يعش فيه، وكان مصدره ما دونته الكتب، وما سمعه من كبار السن، أو البرامج الوثائقية. ولتوضيح الصورة: لو كتب روائي اليوم عن الحارة المصرية في الخمسينات مثلاً، فروايته تاريخية؛ لأنه تحدث عن فترة زمنية لم يعش فيها، ولم يعاصر أحداثها المفترضة. بينما لو كتب روائي معمر عن الفترة ذاتها، وكان معاصرًا لفضائها الزماني، فتعد روايته واقعية اجتماعية. فالتحديد ينطلق من زمن الكتابة، ومعاصرة الروائي للأحداث، والمصادر التي استعان بها في كتابة روايته. وبعد وضع حدود بين الروايتين الاجتماعية الواقعية والتاريخية سأتجه إلى محاولة التمييز بين الرواية التاريخية والرواية العجائبية والأسطورية. وبداية سأشير بإيجاز إلى مفهوم الرواية العجائبية والأسطورية. فالرواية العجائبية قوامها أحداث خارقة للعادة، وتختلط بالتاريخية عندما ترتد إلى الزمن الماضي، والرواية الأسطورية قوامها شخصيات أسطورية أو أحداث أسطورية، أو أماكن أسطورية. ويرجع تداخل هذين الاتجاهين مع الرواية التاريخية إلى الارتداد إلى أزمان ماضية، ومن نماذج الروايات العجائبية رواية (الجنية) (لغازي القصيبي)، ومن نماذج الروايات الأسطورية في أدبنا المحلي بعض روايات الروائي السعودي (طاهر عوض سلام). ويمكن التفريق بين الرواية التاريخية وهذين الاتجاهين عن طريق تحديد الزمن في الروايات التاريخية، وبناء الشخصيات وسماتها، وحضور المرجعي التاريخي في الشخصيات العجائبية والأسطورية. وأؤكد هنا أن هناك بعض الروايات يتداخل فيها المرجعي التاريخي بالعجائبي والأسطوري، ولتحديد اتجاه هذا النوع من الروايات يمكن النظر إلى الأكثر حضوراً في الرواية، فهناك روايات تاريخية تقوم على شخصيات تاريخية، ويبرز فيها البعد الأسطوري أو روايات تاريخية من حيث الفضاء، لكنها تقوم على شخصيات عجائبية ذات صفات خارقة للعادة، والحد الفاصل بينها ينطلق من تحديد المرجعية الأكثر حضوراً في الرواية. وبعد، فما ذكرته في هذه المقالة يندرج ضمن محاولة تعميق الأسئلة المعرفية عن حدود الرواية التاريخية، وفض الاشتباك بينها وبين الروايات الواقعية الحديثة والروايات العجائبية والأسطورية، والموضوع بحاجة إلى مزيد من المقاربات النقدية التي تزيل اللبس والاختلاط القائم بين المتلقين. *أستاذ النقد الأدبي