لماذا ترجمة رواية لمس الأطراف لـ «حسين علي حسين» إلى اللغة اليابانية؟
نشر ملحق شرفات في مجلة اليمامة حوارا مع المترجم الياباني المعروف نوبوأكي نوتوهارا، كشف فيه أن الدكتور يحيى بن جنيد رشح له رواية للكاتب السعودي القدير الراحل حسين علي حسين رحمه الله لترجمتها إلى اللغة اليابانية. وأبدى المترجم الياباني إعجابه بالرواية، لأنها تكشف المجتمع من الداخل، ويرى أن الرواية بشكل عام تمثل نافذة على عوالم مستقلة وكل تفاصيلها مهمة. ورواية لمس الأطراف للروائي والكاتب السعودي الراحل حسين علي حسين (1949 - 2025)، كاتب صاحب خبرة وتجربة كبيرة ومتميزة في القصة والرواية، وروايته لمس الأطراف تعتبر عمل روائي سعودي بارز يوثق تحولات المجتمع وذاكرة المكان، تتميز الرواية بلغتها السردية المبدعة وحظيت باهتمام نقدي واسع. بعد هذا الخبر عن ترجمة الرواية، قرأنا آراء تسأل عن وظيفة الترجمة وتنتقد اشارة المترجم الياباني أن إعجابه بهذه الرواية لأنها تكشف المجتمع من الداخل، ويرون أن خطورة هذا المبرر، هو في فكرة أن تتحول الرواية إلى دليل سياحي وأن تكون وظيفة الترجمة مجرد خدمة اجتماعية تعريفية. ومثل هذه الآراء النقدية التي تشجب وتستنكر كثيرة، ولا يمكن الوقوف فقط عند واحدة منها فقط، لأنها أصبحت ظاهرة مع كل ترجمة أو جائزة، وهنا نتوقف عند فكرة الاستنكار ليس لمحاورتها ، ولكن لمحاولة تقديم صورة أخرى مغايرة ومختلفة، خصوصا أنها تذكرنا بمقالات أخرى، نشرت بعد فوز الروائية العُمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر الدولية عن روايتها المعروفة سيدات القمر، حين قرأنا باستغراب في ذلك الوقت ، بعض المقالات العربية الغاضبة التي كانت ترى أن فوز هذه الكاتبة الخليجية بهذه الجائزة العالمية لم يكن بسبب مستواها لكن بسبب أن الجائزة تريد روايات عربية تكشف المجتمع من الداخل بصرف النظر عن مستواها، رغم أن لجنة تحكيم الجائزة أشادت بمستوى رواية سيدات القمر، حين أوضحت رئيسة اللجنة بأنها رواية تستولي على العقول والقلوب بالمقدار ذاته وأنها عمل يتحدى الصور النمطية الشائعة عن الشرق واعتبرتها فناً حساساً يغوص في أعماق مجتمع عماني يشهد تحولات عميقة وأن لغة الرواية وأسلوبها يُقاومان بمهارة العبارات المبتذلة حول العرق والعبودية والجنس. والسؤال هنا: ماهي المشكلة في رواية تكشف المجتمع من الداخل إذا كانت بمستوى فني جيد، ماهي المشكلة أن تكون الرواية دليل سياحي، ماهي المشكلة في تنوع الروايات السعودية والعربية المترجمة، هي في النهاية رواية، نص أدبي وفن كتابة، قد تعجب بعض القراء وقد لا تعجب بعضهم. وهنا لست مع أو ضد الترجمات أو الجوائز، لكن أسأل لماذا نعطي مثل هذه الأمور أكبر من حجمها الطبيعي، وكأن حصول كاتبة عربية خليجية على جائزة عالمية، أو ترجمة رواية سعودية إلى اللغة اليابانية، سوف يغير وجه العالم وتاريخ الأدب، مع معرفتنا أن هناك كتبا نالت ترجمات وجوائز ولم يطبع منها سوى مئات قليلة من النسخ ولم يكتب عنها شيئا، ومع معرفتنا أنه بعد ثورة النت ومعها وسائل التواصل الجديد، صار الإعلامي الثقافي يقوده جيل جديد له رؤيته التجديدية الخاصة ومزاجه الخاص. والغريب أن هذه الآراء النقدية المبالغ فيها، تؤكد أن الراوية الضعيفة فقط هي التي تكشف المجتمع، بينما الذي تعلمناه من القراءة والكتابة أن الرواية الضعيفة لا تستطيع أن تكشف شيئا لا مجتمع ولا غيره، أضف إلى ذلك أن الرواية التي تكشف المجتمع من الداخل هي في الغالب الرواية المبدعة التي تهتم بالمجتمع والانسان ومصيره وأسئلته بأسلوب أدبي رفيع ولغة ممتعة. هل نحن هنا نشك في قدرات ومستوى الجوائز أو في وعي المترجم، أم أننا نرى أحيانا، أن الجائزة أو المترجم اختاروا رواية لا تناسب مزاجنا أو ليست ضمن تفضيلاتنا أو دولتنا أو منطقتنا، لأن مثل هذه الآراء النقدية التي تبالغ في الخوف والخطر والقلق على روايتنا المسكينة تجعلنا نسأل أيضا: لماذا لا نكتب مراجعات نقدية لمثل هذه الروايات التي تم اختيارها للجائزة أو الترجمة. الرواية الان صارت نبض المجتمعات في العالم، صارت نبض الشارع ومطلب الجماهير من القراء وليست للنخبة فقط، ويصدر في العالم العربي ألاف الروايات سنويا ، ومنها عشرات الروايات المتميزة لكتاب وكاتبات من الجيل الأدبي العربي الجديد ، تستحق الاهتمام والترجمة ، وهناك الآن حركة ترجمة كبيرة في المغرب والمشرق العربي بالذات للغتين الإنجليزية والفرنسية، وربما الأفضل كتابة مراجعات نقدية لروايات سعودية أو عربية أو مترجمة متميزة لتعميم الجمال الأدبي، أفضل من هذه المقالات النقدية التي تبالغ في الخوف، وتكشف سوء فهم للمجتمع الجديد وتحولاته والرواية الجديدة واسمائها وموضوعاتها وأساليبها الجديدة والمتجددة والمتعددة، والتي لم تعد تقف على جيل واحد أو كاتب واحد أو ناقد واحد أو رؤية واحدة. أتفق مع الأستاذ المترجم الياباني نوتوهارا في رؤيته الموضوعية والفنية والاجتماعية لهذه الرواية السعودية التي قرأها وأعجبته وسوف يترجمها لأنها رواية تضيف إلى الأدب العالمي وتخلق تجربة إنسانية مختلفة وتعرّفه وتعرف الآخرين على المجتمع السعودي، وهكذا تتحول الرواية إلى أداة لسد نقص معرفي عند القارئ الأجنبي، وإلى عمل أدبي فني اجتماعي رفيع يستحق القراءة على حد سواء، من جهة الأسلوب واللغة والبناء والخيال والرؤية الفلسفية. المترجم نوتاهارا اختار الرواية ليتعرف على المجتمع السعودي ، هكذا ببساطة دون تهويل وتعظيم وإعطاء الأمور الأدبية أكبر من حجمها الطبيعي ، هذا يعني أن هذا الناقد والمترجم يفهم في الرواية، هو يفهمها ببساطة عميقة ورفيعة ، دون مبالغات ثقافية متكلفة تريد من الرواية أن تكون نخبوية بعيدة عن المجتمع وعن هموم واسئلة وأماكن وحارات ومقاهي الناس، هو ناقد ومترجم يفهم الرواية ببساطة الخبير الذي يعرف أن الرواية هي مكان حي ، مكان حيوي وفيه مجتمع وفيه عادات وتقاليد ، مكان يترك فيه الناس أثرا وتراث ورؤية جديدة وحوارات واسئلة اجتماعية ودينية وأخلاقية ونفسية وفكرية وفلسفية، والرواية بالنسبة له هي أدب وفن قراءة ممتع، للتعرف على المجتمعات ، وهي طريق فني مختصر ومشوق للتعرف على ثقافات بعيدة ، أفضل له من كتب التاريخ والاجتماع الجافة والمباشرة وأكثر متعة . مع ملاحظة أن السواح من مختلف دول العالم يزورون الآن مصر القديمة ومعهم روايات الكاتب نجيب محفوظ بلغة بلدانهم ويذهبون إلى أحياء الجمالية والمنيرة وشارع المعز يصورون حارات وبيوت وشوارع روايات نجيب محفوظ وكذلك عدد كبير من السواح يتوافدون على قرية ماكوندو في كولومبيا وهي قرية رواية مئة عام من العزلة للكاتب ماركيز لرؤية بيوتها وشوارعها وحاراتها والدكاكين التي كان يذهب لها أبطال الرواية ومثلهم آلاف السواح يذهبون إلى حارات وشوارع وبيت الكاتب كافكا في مدينة براغ. هل هذا يعني أن روايات مثل هؤلاء الكتاب تحولت إلى دليل سياحي وشيء نفعي، هذا بالإضافة إلى روايات عالمية معروفة كشفت مجتمعاتها من الداخل بأساليب فنية متجددة ومبدعة مثل رواية الغريب للكاتب البير كامو ورواية المكان للكاتبة آني ارنو وروايات باتريك موديانو وأرنست همنجواي وكذلك الكاتب الياباني ياسو ناري كواباتا الذي كشف في رواياته المجتمع الياباني من الداخل بأسلوب يختلف عن التشريح الاجتماعي المباشر في الكتب الاجتماعية والتاريخية، واعتمد كما يقول النقاد على الكشف النفسي والجمالي وعكس الصراع العميق بين التقاليد اليابانية الأصيلة وحداثة ما بعد الحرب.