ليس التعصب شيءٌ عابر في تاريخ الإنسان، ولا هو ظاهرة برزت في زمان دون آخر، أو في شعب دون غيره، وإنما هو أحد الأمراض التي ترافق المجتمعات كلما صٌغُرَت مساحة العقل، وضاق صدر الإنسان بالاختلاف. فالتاريخ يتغير في وجوهه وأزيائه وأدواته، لكن بعض أمراضه تبقى قادرة على العودة بأسماء جديدة وأوصاف مختلفة، وما أكثر ما تغيرت أشكال الصراع، بينما بقيت آلياته النفسية والاجتماعية كما هي، حتى ليخيل إلى المرء أن الإنسان قادر، بمرونة مدهشة، على تبديل أقنعته، لكنه يظل أسير العقلية ذاتها، ولو أصابها الجمود. وهو قادر على أن يلمح أصغر بقعة في ثوبه، لكنه يعجز عن رؤية ما يعتري بصيرته من عيوب. فسبحان من قسَّم العقول، فكأن بعض الناس لم يُمنحوا إلا عقلًا واحدًا لا رقيب عليه، بينما منح ثُلَّةً قليلة عقلين: عقلًا يفكر، وعقلًا يراقب ذلك التفكير، ويؤنبه كلما حاد عن الحق. العنف لا يظهر فجأة بدون مقدمات، فهو كالولادة التي تسبقها مرحلتان: ممارسات ما قبل الحمل، ثم الحمل، ثم الكراهية التي تبدو في ظاهرها بريئة، وتأتي بفكرة صغيرة، بينما هي مهر التعصب الذي ينتهي بالعنف. يبدأ العنف عندما يتوقف الإنسان عن النظر إلى الآخر ليس بوصفه إنسانًا، وإنما بوصفه مشكلة ينبغي التخلص منها، أو خطرًا ينبغي الحذر منه، أو خطأً ينبغي محوه. ومن تلك اللحظة تتحول المسافة بين البشر من اختلاف طبيعي إلى خصومة، ثم إلى عداء، وقد تنتهي إلى ممارسات لا يصدق أصحابها يومًا أنهم كانوا قادرين على ارتكابها. لعل أخطر ما في التعصب أنه لا يقدم نفسه في صورة الشر، إنه مرض يبغض نفسه، فلا أحد يعترف أنه متعصب، ولا الكاره يعترف أنه حقود، فكلاهما يريان أنفسهما جنودًا للفضيلة وحُرَّاسًا للهُويَّة، ويمتلكان ضمائر حية. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة، إذ قد تتحول أنبل الشعارات إلى أدوات للإقصاء إذا فقدت ميزان العدل والرحمة والعقل. يعلمنا التاريخ أن الجرائم الكبرى لم تكن دائمًا من صنع أناس يعلنون حبهم للظلم، وإنما كثيرًا ما ارتكبها أناسٌ كانوا يظنون أنهم يؤدون واجبًا إيمانيًا أو رسالة سامية. وما إن يستقر هذا الوهم في النفوس حتى يصبح المُخْتَلِف خصمًا، ثم يمسي وجوده موضع اتهام. بل إن العنف يسير في طريق متدرج. تبدأ الرحلة بالاستغراب، إذ يبدو المختلف غريبًا عن المألوف، ثم يتحول الاستغراب إلى شك، فيبدأ الناس بالتساؤل عن نواياه، لا عن أفكاره، وبعد الشك يأتي التجريم، فيصبح الاختلاف خطيئة تستوجب العقوبة. ثم تأتي المرحلة الأخطر، وهي نزع الإنسانية عن المُخْتَلِف، فلا يعود يُنظر إليه باعتباره شخصًا له كرامة وحقوق، بل بوصفه مجرد عنوان لفكرة أو خطر أو تهديد. فإذا وصلت المجتمعات إلى هذه المرحلة، أصبح العقاب أمرًا يبدو عند كثيرين طبيعيًا أو حتى مشروعًا. هذه المراحل ليست قانونًا مكتوبًا، لكنها نمط متكرر عرفته البشرية في أزمنة متعددة، مهما تنوعت اللغات، والثقافات، والأنظمة. ولهذا فإن الحكمة تقتضي ألَّا يبحث الإنسان عن التعصب في الآخرين فقط، بل أن يفتش عنه داخل نفسه أولًا، لأن بذور التعصب قد تنبت في أي بيئة إذا غابت المراجعة النقدية للنفس. ومن اللافت – للنظر - أن الإنسان يستطيع في كثير من الأحيان أن يسامح من أساء إليه، لكنه يجد مشقة لا تحتمل في تقبل من يكشف خطأه أو يفضح جهله. فجرح الكرامة الفكرية قد يكون عند بعض الناس أشد إيلامًا من جرح المصلحة الشخصية. ولهذا تتحول بعض الخلافات الفكرية إلى خصومات شخصية، ليس بسبب قوة الأفكار، بل بسبب عجز النفوس عن الاعتراف بإمكان الخطأ. ومن هنا يصبح السؤال الحر مصدر قلق لكل عقل متعصب. فالمتعصب لا يخشى السؤال لأنه يجهل جوابه دائمًا، وإنما لأنه يدرك أن السؤال الصادق قد يهز البناء الذي أقامه في ذهنه منذ سنوات طويلة. ولذلك نجد أن أكثر ما يثير الحساسية ليس الجواب المختلف، وإنما السؤال الذي يفرض إعادة النظر في المسلمات. من أخطر أوهام المجتمعات أن تظن أن كثرة المؤيدين دليل على صحة الفكرة. فالحقيقة لا تُقاس بعدد من يؤمنون بها، وإنما بقوة البرهان الذي تستند إليه. ولو كانت الحقيقة تُحسم بالتصويت لما تغيرت أفكار البشر عبر التاريخ، ولما استطاع أصحاب الرؤى الخلَّاقة أن يفتحوا آفاقًا جديدة للمعرفة. ولهذا فإن المجتمعات المتقدمة تؤمن بأن الفكرة القوية لا تخشى الحوار، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى إسكات مخالفيها حتى تبقى حقيقة. ليس التعصب عدوًا للعقل وحده، بل هو عدو للضمير أيضًا. فالضمير هو تلك القوة الداخلية التي تدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه، حتى لو خالفه الجميع. وهو الذي يمنعه من تحويل الاختلاف إلى ظلم، أو القوة إلى استبداد، أو القناعة إلى وسيلة لإلغاء الآخرين. قد ينتصر التعصب في معركة، لكنه نادرًا ما ينتصر في التاريخ. فقد يستطيع أن يفرض الصمت زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يمنع الحقيقة من البحث عن طريقها. وقد ينجح في إقصاء الأشخاص، لكنه يعجز عن إلغاء الحاجة الإنسانية إلى التفكير الحر. ولعل العصر الحديث يقدم صورة جديدة لهذه الحقيقة. فقد اختفت كثير من الوسائل القديمة للإقصاء، لكن ظهرت وسائل أخرى أكثر سرعة وانتشارًا. وأصبح الحكم على الأشخاص يتم أحيانًا في فضاءات مفتوحة، خلال ساعات معدودة، دون تمحيص كافٍ أو إنصاف أو فرصة للدفاع. وهذا يذكرنا بأن التعصب لا يرتبط بأداة معينة، وإنما بطريقة التفكير التي تستخدم تلك الأداة. لذا يتحتم إِنصاف التقنية – ذاتها - فهي ليست متعصبة ولا متسامحة، بل هي تعكس ما يحمله الإنسان من قيم. فإذا اِسْتُخْدِمَت لنشر المعرفة، أصبحت وسيلة للتقارب، وإذا اسْتُعْمِلَت لإثارة الكراهية، تحولت إلى أداة لتوسيع الانقسام. ولهذا فإن مواجهة التعصب لا تكون بإقامة تعصب مضاد، لأن التعصب لا يُعالَج بالتعصب، كما أن النار لا تطفأ بالنار. وإنما تكون بتعزيز ثقافة الحوار، واحترام الكرامة الإنسانية، والتفريق بين نقد الأفكار والاعتداء على أصحابها، والإيمان بأن الاختلاف سُنَّة من سنن الحياة، وليس عيبًا ينبغي التخلص منه. تؤدي التربية دورًا جوهريًا في بناء مجتمع أكثر اتزانًا، فالمعلم الذي يُعَلِّم طلابه كيف يفكرون، لا بماذا يفكرون فقط، يزرع فيهم مناعة ضد التعصب. والبيت الذي يُرَبِي أبناءه على الإنصاف واحترام الإنسان، يسهم في بناء مستقبل أقل عنفًا وأكثر قدرة على التعايش، كما إن المجتمعات لا تقاس بمدى اتفاق أفرادها، وإنما بقدرتها على إدارة اختلافهم دون أن يتحول إلى خصومة أو كراهية. فالاختلاف يثري الحياة، أما التعصب فيختزلها في لون واحد، وصوت واحد، وطريق واحد، حتى يفقد الإنسان قدرته على رؤية العالم كما هو، لا كما يريد له التعصب أن يكون. في نهاية المطاف، يبقى العقل الحر، والضمير الحي أعظم حصنين في مواجهة آليات التعصب. فكلما حافظ الإنسان على قدرته على الإنصاف، واحترام الإنسان قبل الحكم عليه، والإصغاء إليه قبل الإدانة، كان أقرب إلى بناء مجتمع لا يخشى الاختلاف، بل يجعله مصدرًا للتعلم والنضج. وحين ينتصر العقل على التعصب، لا ينتصر فرد على آخر، وإنما تنتصر إنسانية الإنسان على أكثر نزعاته قَسْوَةً. حقًا إن التعصب هو القاطرة التي تجر عربات الكراهية إلى محطات العنف؟