عندما تكون الأمنيات مصيدةً
تقول حكايةٌ شعبيةٌ إنَّه “كان هناك امرأةٌ أثقلتها حياة البيت وتربية الأطفال، حتَّى سُلب منها أبسط اللذات، صارت لا تجد لذةً في لقمةٍ، ولا راحةً في سكونٍ، ومع ذلك لم تشكُ لأحدٍ ولم تبُح بسرها، وفي ليلةٍ سمعها زوجها تحدث نفسها، تشكو وتتمنى، فانتظر إلى الغد وقال لها: “بلغني أنَّ في الجبل الفلاني جُحرًا يسمونه جُحر الأمنيات، من ألقى فيه أمنيةً استجيبت له في الحال”. فرحت المرأة، وأخذت معها أمَّ زوجها، وسارتا إلى الجبل، وكان الزوج قد سبقهما واختبأ داخل الكهف، وقفت المرأة على فم الجُحر وألقت أمنيتها بصوتٍ متهدجٍ، فجاءها الرد من الداخل: “اممممم”، ثم التفتت أمُّ الزوج وقالت: “وأنا أتمنى أن يوافق ابني على زواجي من راعي غنمنا”، فجاء الصوت نفسه: “اممممم”، ومرَّت الأيام، وإذا بالابن يحقق لهما أمنيتهما دون أن يسأل أو يستفسر، فتنفست الزَّوجة الصعداء، ووجدت أخيرًا بعض الراحة في بيتها، وأما الأم فقد عرض عليها ابنها رغبته في تزويجها من الرَّاعي، قائلًا إنه يحتاج لبقائه معهم، ثم استعدت الأم للزَّواج، وفي ليلةٍ باردةٍ وقفت تغتسل تحت الميزاب، وأنشدت وهي مبتهجةٌ: “الليلة تحت الميزاب والصبح تحت غمرٍ ثلاب” ولم يطل بها الأمر حتَّى وجدوها في الصَّباح وقد ماتت متجمدةً من البرد”. ***** تبدأ الحكاية بصورة امرأةٍ أثقلتها أعباء البيت وتربية الأطفال، وحرمتها المتعة والراحة، ومع ذلك اختارت الصَّمت، وهذا الصَّمت هو مفتاح النَّص كله، فهو يعكس حال كثيرٍ من النساء اللواتي يتحملن التَّعب اليومي دون أن يراه أحدٌ، ومن هذا الكبت تولَّدت الحاجة إلى المخرج، فجاءت حيلة الزَّوج باختراع “جُحر الأمنيات”، كأنه يقدم لها دواءً سحريًا بدل أن يواجه معها أصل المشكلة بالحوار والتفاهم. تعمل الحكاية على مستويين: الأول نفسيٌّ والثاني اجتماعيٌّ، على المستوى النفسي تقدم لنا نموذجًا للمرأة الصَّامتة التي لا تشتكي، فيدفعها الإرهاق إلى التَّعلق بالخرافة كحلٍ وحيدٍ، وجُحر الأمنيات هنا ليس إلا رمزًا لكل الأوهام التي نلجأ إليها حين يغيب الإنصات، أما على المستوى الاجتماعي فالحكاية تكشف عن مجتمعٍ لا يرى تعب المرأة إلا حين يتحول إلى أمنيةٍ، ولا يقبل خروج المرأة الكبيرة عن المألوف ويعاقبها بالموت، موت الأم ليس موتًا طبيعيًا، بل هو عقابٌ سردي مبطنٌ لكل من كسر التابو وطالب بحقه في الفرح. تكمن قيمة النَّص في رمزيته، فـ”جُحر الأمنيات” تجسيدٌ للخرافة التي نلوذ بها حين يغيب الحوار، و”الميزاب” علامةٌ على التطهر الذي انقلب موتًا، كما أن تكرار “اممممم” من داخل الجُحر يكشف عن سخريةٍ سوداء من المجتمع إزاء رغبات الفرد، وكأنه يسمع منه دون أن يتدخل، وتكمن قوة الحكاية في نهايتها الصَّادمة التي ترفض الخاتمة السعيدة المعتادة للحكايات الشعبية، فبدل أن تنتهي بـ “وعاشوا في سعادةٍ”، تنتهي بجسدٍ متجمدٍ وأغنيةٍ تتحول من أغنية فرحٍ إلى نعيٍ. في النهاية يمكن قراءة هذه الحكاية كتحذيرٍ من كبت المشاعر واللجوء إلى الحلول الوهمية، وكمرآةٍ لمجتمعٍ يفضل الخداع على المواجهة، ويحتفي بصبر المرأة حتَّى يصل بها إلى حافة الانهيار، وهي بذلك لا تروي حدثًا غرائبيًا فقط، بل تروي واقعًا يتكرر بصورٍ مختلفةٍ، حيث تكون “الراحة” أمنيةً، ويكون ثمن الحرية أحيانًا هو البرد الذي يقتل، وبهذا تصبح الحكاية قراءةً نقديةً لمجتمعٍ يهمش صوت المرأة، ويستبدل الحوار بالحيلة، ويعاقب من تجرؤ على كسر المألوف، إنها ليست مجرد حكايةٍ شعبيةٍ، بل إشارةٌ إلى أن الأمنيات حين تُترك بلا إنصاتٍ تتحول من ملاذٍ إلى مصيدةٍ.