فلسفة التوجّس..

لماذانتحيز للأسوأ ؟

العقل يستوحش الطمأنينة، يبحث في الطريق المستقيم عن حفرة مستترة، وفي الخبر السعيد عن تفاصيل صغيرة قادرة على نسفه و إفساده ، نتهيأ للخيبة لحظة اكتمال الأشياء؛ حتى في لحظات الصمت يسرح العقل وينسج حوادث ومآلات تصب في معظمها نحو الأسوأ . هذا الميل إلى استحضار الاحتمال الأسوأ ضارب في عمق التكوين الإنساني. فالعقل يمنح الخطر وزناً أكبر، ويلتقط الإشارة المقلقة بسرعة تفوق استجابته للإشارة المطمئنة. ويصف علم النفس جانباً من هذه النزعة بمفهوم التحيز السلبي. في الأزمنة الأولى، كانت النجاة تعتمد أحياناً على تفسير صوت غامض بين الأعشاب. قد يكون الصوت نسمة عابرة، وقد يكون حيواناً مفترساً يقترب. من اطمأن إلى النسيم حين كان الحيوان المفترس حاضراً دفع حياته ثمناً باهظاً. ومن هرب ثم اكتشف أن الريح هي التي حركت الأعشاب، خسر لحظة من الراحة واحتفظ بحياته. ومع تكرار هذه التجارب، اكتسب العقل حساسية عالية تجاه التهديد. كانت السرعة أثمن من الدقة، وكانت المبالغة في تقدير الخطر أكثر أماناً من تجاهله. ومع ذلك، قامت مسيرة الإنسان على قوى أخرى أيضاً. حمله الفضول إلى المجهول، وجمعته الثقة بغيره، ودفعه الأمل إلى الزراعة والإبحار والاكتشاف. صنع الحذر جانباً من بقائه، وصنعت الجرأة جانباً من حضارته. لهذا يمنح العقل الخطر أولوية حين ترتفع كلفة الخطأ، ويعود إلى الطمأنينة حين يشعر بأن الأرض مستقرة من تحته. في الاستجابة للخطر، تلتقط الإشارات الانفعالية والتهديدات المحتملة. فيستجيب الجسد قبل أن يكتمل فهم العقل: يتسارع النبض، ويتوتر الإنسان، وينجذب الانتباه إلى مصدر القلق. تملك التجارب السلبية قدرة عالية على الاستيلاء على الوعي. كلمة جارحة واحدة قد تطغى على عشر كلمات جميلة، وخسارة صغيرة قد تعكر سلسلة من النجاحات، وخبر مقلق قد يحتل الذاكرة بعد يوم كامل مرّ بسلام. أما اللحظات المطمئنة فتحتاج في أحيان كثيرة إلى انتباه يسمح لها بالاستقرار. الحب والانتماء والنجاح والنجاة تترك آثاراً عميقة، غير أن الإنسان قد يمر بها مسرعاً، بينما يتوقف طويلاً عند ما يؤلمه. الخطر يطرق الباب بعنف، والطمأنينة تدخل بهدوء؛ لذلك ننتبه إلى الأول ونعتاد حضور الثانية. يحاول الإنسان أحياناً أن يسبق الخيبة بخياله. يتوقع الفشل، ويخفض سقف الأمل، ويهيئ نفسه للانكسار، كأنه يريد تخفيف وقع الصدمة من خلال تصورها مسبقاً. ويُعرف هذا السلوك أحياناً بـ التشاؤم الدفاعي. الذي يدفع صاحبه إلى الاستعداد الجيد، ومراجعة الأخطاء، ووضع البدائل، والاحتياط للمفاجآت. وتظهر المشكلة حين يتحول الاستعداد إلى إقامة دائمة داخل الاحتمال الأسوأ. هناك من يتوقع العقبة فيبحث عن طريق لتجاوزها، وهناك من يتخيلها حتى يفقد الرغبة في السير. التشاؤم الذي يقود إلى خطة يؤدي وظيفة نافعة، أما التشاؤم الذي يدور داخل نفسه فيستنزف صاحبه ويعطل قدرته على الفعل. وكثيراً ما يكون توقع الأسوأ محاولة للسيطرة على مستقبل غامض. فالمجهول يربك الإنسان، والخيال يمنحه شكلاً وحدوداً، حتى لو جاء هذا الشكل قاتماً. يبدو السيناريو السيئ المحدد أحياناً أهون على النفس من مساحة مفتوحة لا تعرف ما الذي تخبئه. يبدأ الاستنزاف عندما تتحول تحذيرات العقل إلى أحكام نهائية. يقول العقل: ربما تفشل. فتستقبل النفس العبارة وكأن الفشل قد وقع. ويلوح احتمال الخسارة، فتتحول صورته في الخيال إلى مستقبل محسوم. ثم تلتقط النفس إشارة ناقصة، وتبني حولها قصة كاملة، وتعيش تفاصيلها قبل أن يمنحها الواقع أي دليل. هنا يتحول حارس البقاء القديم إلى سجّان. يستهلك الحاضر في حراسة مستقبل مجهول، ويجعل الإنسان يتألم من الحدث قبل وقوعه، ثم يعيد الألم إذا وقع بالفعل. وكثير من العواصف التي يسهر العقل استعداداً لها تمر بعيداً. ومع ذلك تخلّف انتظارها توتراً وتردداً وانسحاباً، وتفسد علاقات، وتغلق أبواباً، وتبدد فرصاً كان يمكن أن تنمو في مساحة من الثقة. الخوف يحمل أحياناً إشارة صحيحة، لكنه لا يملك معرفة المستقبل. وجد التحيز السلبي في العالم الحديث بيئة تعرف كيف تستثمره. الخبر المقلق يجذب الانتباه، والعنوان المخيف ينتشر بسرعة، والإشعار العاجل يجعل العالم يبدو في حالة انهيار متواصل. تعرف المنصات مواضع القلق في النفس، وتوقظها باستمرار. العقل الذي كان يتوجس من حركة في الأعشاب، أصبح يتلقى مئات الإشارات يومياً: أزمة، وتحذير، وفضيحة، وانهيار، وخطر قريب. ومع كثرة التعرض، قد يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين خطر يمسه فعلاً، وضجيج صُمم فقط لانتزاع انتباهه. وهنا يبرز سؤال يتجاوز الطبيعة النفسية: من الذي يستفيد من إبقاء الإنسان في حالة توجس دائم؟ الخوف يجذب المتابعين، ويؤثر في الاختيارات، ويوجه السلوك، ويمهد الطريق لبيع الحلول. وكلما ارتفع القلق، ازداد استعداد الإنسان للبحث عن من يعده بالأمان. فالخوف لا يحرس الإنسان فقط؛ أحياناً يُستخدم لقيادته، وتوجيه اختياراته، والتحكم في سلوكه، وبيع الحلول له.وهكذا أصبح الحارس القديم يعمل داخل سوق حديثة تعرف قيمة الخوف وثمنه. يحتاج الخوف إلى إنصات واعٍ. بعض المخاوف تحمل رسائل جديرة بالانتباه، وبعضها يأتي من خبرة التقطت إشارات دقيقة، وبعضها الآخر صدى لتجربة سابقة ما زالت تعيد إنتاج نفسها. ويبدأ النضج حين نتعامل مع الخوف بوصفه معلومة تحتاج إلى فحص. نسأل:ما الدليل الذي يقوم عليه هذا التوقع؟ ما الذي أعرفه فعلاً؟ ما الجزء الذي أضافه الخيال؟ هل يدفعني الخوف إلى الاستعداد؟ هل يعطلني ويمنعني من الحركة؟ هل الخطر قريب وواقعي؟ هل أعيش احتمالاً بعيداً كما لو أنه حدث مكتمل؟ هل يتحدث في داخلي صوت الخبرة، أم صدى جرح قديم؟ العقل معني بحمايتنا وفق ما ورثه وتعلمه وخبره، ولهذا قد يرفع مستوى الإنذار أمام إشارات عابرة. يشبه في ذلك جهازاً شديد الحساسية يطلق صوته بسبب بخار خفيف، ثم يترك لصاحبه مهمة التحقق. وتبقى الحكمة في معرفة متى نصغي، ومتى نفحص، ومتى نعيد تقدير الموقف. الخوف شاهد مهم، والقاضي هو الوعي. وفي المسافة الفاصلة بين الفكرة والاستجابة يستعيد الإنسان حريته. يرى الخطر، ويسميه، ويتحقق منه، ثم يختار موقفه. هناك يغادر العقل الظلام الذي اعتاد ركوبه، ويتجه نحو وعي يرى المخاطر بحجمها، ويمنح الأمان حقه، ويتقبل أن الصمت قد يكون صمتاً، وأن الطريق المستقيم قد يصل إلى نهايته من غير حفرة، وأن اللحظة الجميلة تستحق أن تعاش قبل أن نفتش في أطرافها عن احتمال زوالها. فالطمأنينة قدرة على رؤية الواقع شريطة أن لا تضيف إليه النفس مخاوفها الموهومة.