ليست سواء
منذ سنوات تتجه الدولة - مشكورة - إلى دعم المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر، إدراكاً لدورها في تنويع الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتحفيز ريادة الأعمال. غير أن هناك جانباً ما زال يستحق إعادة النظر، وهو آلية احتساب بعض الرسوم المفروضة على المنشآت بمختلف أحجامها. ولا أطالب هنا بإلغاء الرسوم، فهي حق مشروع مقابل ما تقدمه الجهات الحكومية من خدمات وتنظيمات، لكنني أطالب بأن تكون أكثر عدالة، وأن تراعي الفروق بين منشأة لا يتجاوز رأسمالها بضعة آلاف من الريالات، وشركة تحقق إيرادات بملايين الريالات سنوياً. فالمنشآت ليست سواء في حجمها، ولا في قدرتها المالية، ولا في حجم التزاماتها. فما يُعد مبلغاً يسيراً بالنسبة لشركة كبيرة، قد يشكل عبئاً حقيقياً على منشأة صغيرة ما زال صاحبها يكافح لتغطية الإيجار، والرواتب، والمصروفات التشغيلية الأساسية. ويلاحظ كثير من أصحاب المنشآت الصغيرة أن الاعتراض لا ينصب على أصل الرسوم، وإنما على طريقة احتسابها، إذ تُفرض في بعض الحالات بمقدار واحد على منشآت تختلف اختلافاً كبيراً في إمكاناتها وإيراداتها، وهو ما يجعل المساواة هنا بعيدة عن تحقيق العدالة. ومن هنا، فإن من المناسب دراسة التوسع في تطبيق مبدأ التدرج في بعض الرسوم، بحيث تُربط بحجم المنشأة، أو رأسمالها، أو إيراداتها، أو عدد العاملين فيها. فهذا التدرج يمنح المنشآت الصغيرة فرصة أكبر للاستمرار والنمو، ويخفف عنها الأعباء في سنواتها الأولى، دون أن يمس حق الجهات المختصة في استيفاء الرسوم. وقد أثبتت التجارب الاقتصادية أن دعم المنشآت الصغيرة لا يقتصر على القروض، والمبادرات، وبرامج التحفيز، بل يشمل أيضاً توفير بيئة تنظيمية تراعي واقعها، لأن استمرارها ونموها يعني زيادة مساهمتها في الاقتصاد، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وخلق مزيد من فرص العمل. إن العدالة لا تعني أن يدفع الجميع المبلغ نفسه، وإنما أن يتحمل كل طرف ما يتناسب مع قدرته وإمكاناته. ولذلك فإن التدرج في الرسوم ليس استثناءً لأحد، بل هو صورة من صور العدالة التي توازن بين حق الدولة في تنظيم الأنشطة، وحق المنشآت الصغيرة في أن تُمنح فرصة حقيقية للنمو والاستمرار.. لأنها في النهاية ليست سواء.