عند القراءة في تاريخ المسرح العالمي والمسرح السعودي نجد مجموعة من التقاطعات التي تتمثل في عدة أوجه منها، في كون المرأة كانت في الحالتين موضع إقصاء بشكل رمزي وفعلي. سواء كانت ممثلة أو متفرجة، وهذا يكشف عن التشابه البنيوي في علاقة المسرح بالسلطة الاجتماعية والأخلاقية. ففي المسرح العالمي فرضت الأعراف السائدة حينها غياب المرأة عن الخشبة فقام الرجال والفتيان بأداء الأدوار النسائية في العروض المسرحية التي تتطلب دوراً نسائياً، بينما ظل حضورها في فضاء التلقي محكومًا بقيود ثقافية صارمة، بين المنع والسماح غير المرحب به. وعلى نحو مختلف في السياق المسرح السعودي واجه المسرح في مراحله الأولى تحفظات اجتماعية ودينية حدّت من مشاركة المرأة كممثلة وكمتلقي للعرض المسرحي. فظهر حضورها متأخرًا ومشروطًا، سواء عبر العروض النسائية أو عبر انفتاح على المشاركة المختلطة الذي تم في السنوات الأخيرة. كذلك نجد في المسرح العالمي أن السلطة دينية أو أخلاقية أو اجتماعية تحدّ من حرية الجسد والتمثيل والحضور في فترات مختلفة من تاريخه، وكذلك في المسرح السعودي تدخل السلطة الدينية والاجتماعية والأخلاقية في مسيرته وتحديد توهجه وخفوت حضوره. هذا جعل المسرح يولد متصالحاً مع المجتمع حيناً، ومصادماً له في حيناً آخر نتيجة ما تسمح به السلطة بمختلف أشكالها. كذلك تتقاطع علاقة النقد بالجمهور في المسرح العالمي والسعودي في أن النقد لم يقف عند وصف العرض المسرحي وإنما يعمل بصفته وسيطاً يقلص المسافة بين الخشبة والمتلقي، إذا ارتبطت الحاجة إلى النقد بضرورة بناء جمهور مسرحي واع وقادر على تجاوز الفجوة التي بين المسرح والجمهور. هذا التشابه لا يلغي حقيقة اختلاف السياقين؛ فالإقصاء في المسرح العالمي كان جزءًا من نظام مسرحي أوروبي تاريخي طويل، أما في المسرح السعودي فكان مرتبطًا بتحولات الحداثة وبالتفاوض المستمر بين الفن والبنية المحافظة للمجتمع. كذلك هذه المقارنة تكشف التحول الذي يمر به المسرح في لحظات معينة، ويكشف أن المسرح دائماً هو مرآة لما يدور بين الناس وما يؤمنون به سواء كان ذلك في التجسيد على الخشبة أو فيما يمر به من فترات إقصاء وتهميش وتمكين. يضعنا كذلك هذا الامتداد التاريخي في موقع الواعي بما يعتري المسرح من تحولات، ويؤكد على الحاجة إلى النظر إلى باعتباره مشروعًا ثقافيًا طويل النفس، يتطلب تراكمًا في التجربة وتدرجًا في التلقي وتثبيتًا للوعي سواء الجمالي والاجتماعي. الآن المسرح لا ينهض بالقرارات السريعة وإنما يصنع مكانته حين تتكامل الرؤية النقدية مع الممارسة الفنية ومع بناء الذائقة العامة، حتى يصبح جزءًا من الوعي الجمعي لا نشاطًا هامشيًا يظل رهين اللحظة. لذلك فإن تأسيس مسرح راسخ لا يتحقق إلا من خلال رؤية تراكمية تؤمن بأن بناء الجمهور لا يقل أهمية عن بناء العرض المسرحي، وأن صناعة الممثل لا تنفصل عن صناعة المتلقي، وأن ترسيخ المسرح في المجتمع هو فعل ثقافي ممتد يحتاج إلى صبرٍ ومعرفة ومثابرة، وإلى مشروع يربط بين الإبداع والتربية والوعي النقدي في آن واحد. ختاماً، يمكن القول إن المسرح السعودي يشكّل جزءا من المسرح العالمي وقد مر بتحولات وتجارب كبيرة تتقاطع في جوهرها وتأثيرها مع ما حدث في المسرح العالمي عبر تاريخه وإن اختلفت السياقات بين المسرحين. *ماجستير في الأدب المسرحي.