ماذا لو التقى بك ذلك الشخص الذي كنته يومًا؟ ماذا سيقول؟ هل سيفرح لأنه سيكبر ليصبح أنت؟ هل سيفتخر بما أنجزته؟ أم سيشعر بخيبة أمل؟ وهل سيفهم الأسباب التي جعلتك تنتهي إلى ما أنت عليه اليوم؟ تلك هي الأسئلة التي تدور في قلب فيلم إذما، إذ - ما، أو ماذا لو للمخرج محمد صادق. يقدّم الفيلم تأملًا آسِرًا في الصراع بين براءة الشباب ومرارة النضج، من خلال شخصية عيسى الشواف أحمد داود، الذي يجد نفسه يخوض لعبة تركها له ذاته الأصغر سنًا حمزة دياب، على هيئة رحلة بحث تعتمد على مقاطع فيديو مسجلة مسبقًا، أشبه بمطاردة كنز عبر الزمن والذاكرة. ترافقه في هذه الرحلة سيرا سلمى أبو ضيف، التي تتمتع بكيمياء استثنائية مع البطل، فيما لا تقل جاذبية نسختها الأصغر سنًا جيسيكا حسام الدين في مشاهد الاسترجاع. تمثل سيرا النقيض الكامل لعيسى؛ فبينما يغرق هو في الكآبة والانكسار، تحافظ هي على خفة روحها وتلقائيتها، وكأن الزمن لم ينجح في تغيير جوهرها. ومن خلال هذا الثبات، تصبح قوة مضادة للظلام الذي يبتلع عيسى شيئًا فشيئًا. ولا يمكن فصل تشاؤم عيسى ونظرته القاتمة للحياة عن تجربة طلاقه التي جاءت بعد زواج مضطرب وعنيف عاطفيًا من زوجته السابقة أسماء بسنت شوقي. ومع أن الفيلم يوضح عبر الاسترجاعات أن أسماء كانت تعاني اضطرابات نفسية واضحة، فإن شخصيتها تبقى الحلقة الأضعف في العمل. فبالرغم من تبرير سلوكها، تبدو هي وعلاقتها بعيسى أقل تطورًا وعمقًا مقارنة ببقية عناصر الفيلم. أما تلك العناصر، فتشمل مونتاجًا أنيقًا وبسيطًا في آنٍ واحد؛ من اللقطات الجانبية المتقابلة إلى الانتقالات السلسة والقطع المباشر غير المتكلف. كما يوظف الفيلم الألوان بذكاء، إذ يغلف حياة عيسى الراشد بدرجات الأزرق الداكن والظلال الكئيبة التي تعكس حالته النفسية. ومن الطبيعي أن يأتي الإخراج متقنًا في فيلم يتمحور حول صناعة الأفلام نفسها. فإلى جانب المونتاج، تترك الصورة السينمائية أثرًا بالغًا؛ من اللقطات القريبة التي تلتقط أدق الانفعالات على وجوه الممثلين، إلى المشاهد الواسعة التي تؤدي أحيانًا وظيفة تعريف المكان، وأحيانًا أخرى تبني شعورًا متصاعدًا بالقلق والترقب. أما الأداء التمثيلي، فيكاد يكون رائعا بلا استثناء. فكل ممثل يندمج تمامًا في شخصيته؛ من البطل والبطلة إلى الوالدين المثقلين بالهموم والأحكام المسبقة، وصولًا إلى دائرة الأصدقاء الداعمين. الجميع ينجح في إقناع المشاهد بصدق وجوده داخل هذا العالم، وجذبه إليه بالكامل. «إذما» فيلم يستحق المشاهدة لكل من يشعر بحنين، ولو عابر، إلى ماضيه وأيامه الأولى. لكنه لا يكتفي باستدعاء الذكريات؛ فجوهر رسالته أعمق من ذلك. إنه فيلم عن عدم الاستسلام للندم، وعن اختيار حياة يمكن للإنسان أن ينظر إليها بفخر بدل الحسرة. وتلك، بلا شك، رسالة تستحق الاحتفاء.