الرحلة إلى مكة.
وأنت تسمع ساردا مفوها وبليغا ينساب صوته الهادر بين أرجاء حوائط مزينة بكسوة الكعبة وآيات كريمة، تشعر معها وكأنك محمول على جناح حمامة مكية، تطوف بك بين «أبي قبيس» و»حراء» دون أن تُفسد صلاة أهل السرو ولا جموعهم المنقادة للدخول بسلام إلى المسجد الحرام، ودون أن تصطدم بقباب زمزم وأم سلمة، ما بين رحلة الأنبياء وإيلاف قريش وأفئدة تهوي استجابة لنداء إبراهيم عليه السلام. مسير ليلة تجلت فيها الأنفاس وسكنت المسامع وراحت كل نفس تحلق حائمة على قداسة المكان وقدسية الحوار وعظمة الانتماء. عائدة إلى رعشة الطفولة البدائية وبهجة أعيادهم وأسواقهم وطقوس استقبال رؤية هلالي رجب ورمضان حيث تتلألأ السروج وتضرب الطبول وتزين الهوادج بالحرير مزدحمين محرمين ملبين في مشهد عظيم من أعاجب ما كتب عن مكة ممن رأوها رأي العين وعاشوا بين أزقتها وخالطوا عربها وعجمها بأسلوب دفّاق بديع من صُنع الرحالة الذين استقبلوا المتعة منذ بدايتها، والسارد الذي احتضن هذه الحكايات من مشرقها إلى مغربها بوحي اللغة ودلالة الشعر وبتحريض على التوحد في أعماق الرحلة المكية ودلالاتها ودوافعها والنشأة الأصلية لهذا النوع من الأدب الطروب. كانت ليلة من الصعب الخروج منها دون أن نلتفت وبقوة إلى هذا النوع من الأدب الرفيع ودون أن نردد « تمنيت أن لا ينتهي هذا الوقت». الوقت الذي نجم في سمائه السارد الفصيح» فوزي المطرفي»، أم الوقت الذي انقضت فيه هذه الأيام المكية العتيقة وأصبحت من الماضي الذي صنع مكة بجلالة قدرها ؟. وفي عصر» قوقل إيرث « الذي يريك الصورة جافة بلا نكهة، تأتي كتب الرحالة كنصيب الإنسان من النعيم الذي ينقل إليه رائحة الأشياء وفلسفتها ورفاهية عيشها كما أشار المؤرخ المغربي والكاتب عبدالهادي التازي: «أن كل الكتب على اختلاف فنونها تقتصر على أن تجعل منا قرّاء لما يحرره أولئك الكتاب، دون أن نعرف شيئًا عن مشاعرهم. أما كتب الرحالة فأنت ترافقه وتقارن بينك وبينه، وبين زمانك وزمانه. أي أن لغة الرحالة وسحرها إذا ارتفع يمكن لها أن تأخذك معها لتعيش ذات الشعور الذي عاشه المرتحل».