على جال البحر.
أوّلُ مكانٍ تعلّمتُ فيه أن أسبح بِركةُ ماءٍ في مزرعة، تسبح معنا أحيانًا بعضُ الضفادع، واليعسوب يحوم فوق رؤوسنا -واليعسوب حشرة رشيقة ذات جناحين شفّافين تحوم قربَ الماء- ويعلو صوتُ صنبور الماء الكبير، خصوصًا حين يتدفّق من خلاله الماء. واكتشفتُ لاحقًا مع مدرّب النادي أن سباحتنا -وإن علّمتنا الجرأة وجعلتنا نطفو فوق الماء- كانت خاطئة؛ وعلّمني بعض الأساسيات، وكيف أحافظ على نفسي داخل الماء بطريقةٍ تجعلني أقطع مسافةً أسبحها إذا كنتُ مضطرًّا لذلك. وأنا حريصٌ في كل مدينةٍ ساحليةٍ أزورها أن أذهب للبحر، ليس فقط للوقوف عليه والتشكّي -كحالنا الدائم، نحن من نحبّ الشعر- نقفُ على الشاطئ فنبثّه ما لا نبوح به لأحد. فالبحرُ منذ القِدم مرآةُ الشعراء؛ فقد شكا امرؤُ القيس ليله الطويل: ولَيْـلٍ كَمَوْجِ البَحْـرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ .. عَلَيَّ بِأَنْـوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْـتَلِي وللشعراء حكايتهم مع البحر، يقول الشاعر الأمير سعود بن عبدالله من قصيدة عامية: موج البحر يا منهو اللّي على الماء .. هذا القمر ولا حبيبي على الجال المهم، بعدما تعلّمتُ بعض أبجديات السباحة على أصولها، صرتُ أعشق السباحة وأبحث عن شواطئها كلما أُتيحت لي الفرصة، ولم يعد لمجرّد تغيير الجوّ والاستمتاع بنسيم البحر، وذلك أمرٌ جميل. حدث ذلك معي حين زرتُ جدة مؤخرًا، واستمتعتُ بزيارة أكثر من شاطئٍ فيها، مثل شاطئ كوكيان بأبحر الجنوبية والمحازم، ثم شاطئ اللؤلؤ؛ وهناك العديد من الشواطئ التي تكتسي ثوبًا جميلًا من حيث الترتيب والمرافق والخدمات. ورغم ارتفاع درجة الحرارة في شهر أغسطس، فإن نسيم البحر كفيلٌ بكسر حدّتها؛ لاحظتُ ذلك حين استأجرتُ مظلّةً وكرسيًّا، وأخذتُ نصيبي من السباحة لما يقارب ساعة. وفي البحر كما في البرّ، يصادفك أناسٌ تراهم لأول مرة، مجموعاتٍ وفرادى، وفيه فرصةٌ للحديث مع الناس والتعرّف عليهم، وإن كانت معرفةً عابرةً، مهما كان جمالها ودفؤها. البحر يعطيك الكثير كما يعطي البحّارة، يكتنز الأسرار، ولا يخلو من المخاطر التي توجب الوعي. واليوم، بفضل العناية الكبيرة بتلك الواجهات البحرية، خصوصًا في ظل مشاريع رؤية 2030 المباركة، يظهر البحر أمام زوّار مناطقنا الساحلية بثوبٍ قشيب؛ فالشواطئ مهيأة وجاذبة، ومع ذلك ما زلتُ وفيًّا للحظات البسيطة في برك الماء واليعسوب يحوم حولنا؛ فهي أولى خطواتي نحو سباحةٍ أكثر احترافية.