هل كان ابن مالك الجَيَّاني ـــ رحمه اللهُ ـــ مُدلِّسًا؟

ذاتَ يومٍ وأنا مُتّجِهٌ من غِرناطةَ صوبَ قُرطبةَ، وبينما أنا في الحافلة أتأمل مرةً يمينًا وأخرى يسارًا والذاكرة مزدحمةٌ حدَّ الوجع؛ حيثُ التاريخُ ضاربٌ بأطنابه، والحضارة متجذرةٌ مقدارَ ما فينا من الأسى والحزن، والطرقاتُ تنسرِب منها الحياة الأندلسيةُ القديمة، التفتَ إليَّ رفيق الرحلة أبو عمر المصري، وكان دليلنا السياحي آنذاك، لم أكن منتبهًا له، ضرب على كتفي، فأشحت برأسي إليه.. سألني هل تعرف تلك البلدة؟؟ وقد كانت تبعد عن الطريق من جهة اليسار ما يقرب على العشرة كيلو مترات، أجبتُ على الفور لا لا. أعرفُ أن سؤاله لي من بين زملائي الموجودين في الحافلة لم يكن عبثًا، وليس اعتباطًا، (هو يعلم أنني متخصصٌ في النحو والصرف)؛ لذا خصّني بذلك المشهد، وقد كان مشهدًا مُربكًا، لم يكن يتصوره البتّة. قال لي: تلك (جَيّان) البلدة التي كان يقطنُها ابنُ مالك صاحب الألفية المشهورة.. انتهى الكلامُ الحقيقي بيني وبينه هنا، لكنه لم ينتهِ الكلام المعنوي، لم ينتهِ الموقف، لم ينته الحديثُ الداخلي، بل فُتِح الباب على مصراعيه. كنتُ واقفًا فجلستُ، انتابني شعورٌ لم أكن أتوقعه، أحسستُ بشيء من الألم والحزن، انكفأت على صدري، حاولت أُلملِمَ بعض أحاسيسي التي انتثرت، وألوذُ بالمعنى الذي عاش في داخلي طويلًا، كنت أحدثُ نفسي مندهشًا، ابن مالك، وجَيّان..!! ابنُ مالك المتوفى سنة 672ه، بقيت أحسب المدة التي انقضت، واللحظة الراهنة التي أعيشُها، فوجدت أن بينهما 771 سنة تقريبًا. انطوت تلك السنين وكأنها لحظة زمن، واضمحلّت سحابةُ الأندلس الخضراء وكأنها طيف، وتحوّل رغد الحياة إلى شظف، لم يبق سوى قوس قزح عالقًا في سماء سوداء قاتمة، حاولتُ أن أقرِّبَ المسافة، وأختزلَ الأحداثَ، وأُوجزَ التاريخ، تخيلتُ أنني وابن مالك في زمن واحد، انقدحت في جمجمتي بعضُ (الكيفيّات): كيف برز هذا العلَم الفذ؟ وكيف عاش في هذه القرية الأندلسية الصغيرة؟ وكيف تلقى العلم وجعله متداولًا بين الخلق؟ ثم تساءلتُ أخرى: هل كانت شخصيته -أعني ابن مالك – حادةً؟ هل كان يعتزل العامة ليقضي وقته في التأليف؟ وآخر ما بدر إلى ذهني من الأسئلة، هل كان ابن مالك مدلسًا أو مبتدعًا للشواهد الشعرية، أي: أنه يأتي بها وينسبها إلى غيره، وهي له، كما زعم بعض الباحثين في القرن الواحد والعشرين، يعني بعد سبعة قرون من بعده؟ ليكنْ تركيزنا على أكبر انفجارٍ في تاريخِ النحو، ودويٍّ في عالَمِ اللغة في القرن العشرين وما بعده، وهو أنّ ابنَ مالك كان مُدلسًا، ابن مالك كان مبتدعً صانعًا. لم أكن أتخيل أنه في يوم من الأيام سيأتي إنسان - مهما بلغ من الشهرة، أو أنه يطلبُها حثيثًا – ثم يزعم هذا الزعم، ويدّعي هذا الادعاء، ويتجرأ هذه الجرأة على ابن مالك الذي اتخذه العلماء سبيلًا إلى العلم والنور، وطريقًا إلى التسهيل والتيسير. أيُعقلُ أن تغيب هذه التهمة – إن كان ثمةَ من هُوّةٍ ضيقةٍ تدخل منها - عن علماء أجلاءَ عاشوا مع ابن مالك، أو جاؤوا من بعده وعكفوا على كتبه شرحًا وتفصيلًا وتمحيصًا وتدقيقا؟ لا أكادُ أتصور أن تشيعَ الرِيبةُ في بعض الباحثين والدارسين. أليس من الجرأةِ أن نُلصقَ هذه التهمة بابن مالك، وهناك من المبررات التي تجعله بريئًا منها كبراءة الذئب من دمِ يوسف؟ ألم يكن ثمة تريّثٌ، أو تأنٍّ قبل إصدار الحكم على حَبرٍ من أحبار النحو، وعَلَمٍ من أعلامه المشهورين؟ كيف نقول عنه: إنه مُدلسٌ أو مبتدع دون أن نجد لذلك تأويلًا، أو نظرًا، أو حتى مخرجا؟ إنّ الاتكاءَ على وقائعَ وهمية، أو شواهد غير منسوبة، أو قل: فُهِمت على غير ما هي عليه، والاعتماد على جدارٍ واهٍ، ليس حُجةً أو دليلًا على أن يُرمى الشخص بالحجارة. هل كثرة الشواهد عند الجيّاني، وقلتها عند غيره من القدماء، أو عدم نسبة أكثرها إلى أحد، أو نسبة بعضها إلى قبيلة أو رجل أو نحو ذلك تُفضي إلى الشكِّ والريبة؟ هل اختراعه لطريقةٍ فريدة في التأليف يُعد ذلك صناعةً أو تدليسا؟ لا سيما أن بعض الشواهد لم تكشِفْ عنها المخطوطات حتى اللحظة، ولم تر النور بعد. وأدهى الدواهي، وثالثة الأثافي أن بعضها كان جليًّا واضحًا إبّان الرمي والقذف، ولم يستطع المتهمون الوصول إليها رُغم قربها وتداولها، وهذا قدحٌ في اتهامهم، وقصور في عملهم، وإشارة بليغة إلى أن ما جاؤوا به من الإثم مجرد هرطقات، أو قل: مجرد توقعات أو تكهنات كان الأحرى التوقف عندها. إذا ما حاولنا أن ننعتق من أسر الشهرة، وقيود الشيوع والظهور فإننا سنعتذر عن هذا الهراء الذي ليس له مكان في عالم الحقيقة والبيان، وعن هذا الخطاب المتطرف حيال ابن مالك الجيّاني. نظر إلي أبو عمرَ المصري مرةً أخرى، فنفضتُ مخيّلتي قليلًا، ثم عاد بي الذهن إلى (جَيّان) تلك البلدة القابعة بين غرناطة وقرطبة، الواقعة على تلال جبال سانتا كاتالينا، الحاملة شعار زيت الزيتون، الحاضنة لأكبر الحمامات العربية، تلك البلدة التي تحدثت عنها كتب البلدان، وأشارت إليها في سياق الإكبار والعظمة والإعجاب، ثم تذكرتُ القصيدة الأندلسية المؤلمة، التي وردت فيها (جَيّان) وغيرها من البلدان الأندلسية المنكوبة، حيث قال أبو البقاء الرندي: لكلِّ شَيءٍ إذا ما تَمّ نُقصـــــــانُ فلا يغرّ بطيبِ العَيشِ إنسانُ هي الأمورُ كما شاهدتها دولٌ من سَـــرَّهُ زمـــنٌ ساءتُــهُ أزمــــانُ فاسألْ بَلنسيةً ما شأنُ مرسيةٍ وأيــنَ شاطبـــةٌ أم أيـــنَ جَيَّــــــانُ بقيتُ بُرهةً وأنا أسبح في خيالٍ، وأنظرُ في جمال، وأركضُ بعقلي في مضمار من العظمة والذهول، وأخرجُ من غابة لأدخل في أخرى أوسع منها مكانًا، وأرحب فردوسًا. كنتُ أقول: لعلي في يوم من الأيام أزور هذه البلدة الطيبة، وأتجول في شوارعِها الضيقة، وأتأمل في محاسنها ومفاتنها، وأصطفي منها أنهارَها البيضاءَ، وأرتِّلُ اللغةَ في محاريبِها المبتلةِ بالدموع والشموع.