الكذب الجمالي.

أحد مُتع الاشتغال في عوالم الآداب والفنون هي حالة التواطؤ الضمني بين المبدع والمتلقي، حيث يتفق الجميع أن ما يقرؤونه أو يشاهدونه أو يستمعون إليه لا يعدو إلا أن يكون لعبة الجميع راضٍ على خوضها، والاستمتاع بها، وصولاً إلى مرحلة التأثر، وانتهاء بالتفاعل معها. الطرفان يعيشان قبولاً بحيل الخداع والترميز والمجاز، وكلما زادت تلك العناصر حاز ذلك المنتج على إشادتهم، وبالتالي توصيتهم به بين أقرانهم الذين يشاركونهم عشق هذا الحقل الإبداعي. هذا النوع من الترحيب، والذي اطلقت عليه مصطلح «الكذب الجمالي»، مؤشر أننا كبشر متحفزين إلى هذا النوع لكونه كذباً صريحاً بقالب فني، ففيه نقبل أن نشاهد شخصية تقتل، وأخرى تخون، وثالثه تسرق.. ونرى ذلك خادم لصميم الحبكة الجيدة. كما نندهش من التقمص العالي الذي تتحلى به شخصية ما، رغم إدراكنا بأن ذلك يناقض حقيقة الشخص الذي يؤديها، ونرى ذلك من تمام الجودة، بل نذهب أبعد من ذلك بأن نرشحه لنيل جائزة نظير الجهد الذي بذله. وظيفة خلق العوالم، وتصريف أفعال وسلوكيات كل فرد ضمن فضائها، تبقى في نظر المتلقين محل ترحيب حار، ما يؤهل المبدعون على الدوام أن ينالوا منزلة أعلى من غيرهم، حتى ذهب البعض – مثل جيل دولوز وأخرين – إلى تصنيفهم في طبقة العباقرة والمفكرين. ولو نظرنا بحياد إلى هذا القدر من الثناء، سنجده نظير قدرة هؤلاء على تجويد ما يقدمونه من كذب مُتقن. إذن، ما نستطيع أن نخلص إليه هو أن الكذب الجمالي أساس الفن، بل إطاره العام الذي يسبح في فلكه لتقديم ما يُطلق عليه روائع وأعمال خالدة، وكلما قلت نسبته في عمل ما، سواء كان قصة أو رواية أو فيلم أو مسرحية.. وصف بأنه فج وذو رسالة مباشرة، وينقصه تلبس متعة الفن المطلوبة لإنجاح أي عمل. نحن معاشر المبدعين نجد متعة لا متناهية في تحريضنا المستمر إلى التغول أكثر في مهارة الكذب، حتى بات أصدق الأعمال، وأنجحها، هو أجودها كذباً. فعبر ذلك الكذب الجمالي نقول ما لا نستطيع أن نقوله صراحة، ما حوّل تلك العوالم إلى مجالنا الفسيح للتعبير عن ذواتنا، وأفكارنا، وكل ما نؤمن به، دون أن يكون لأحد مدخل علينا للوم، أو التقريع. إن ما تهبنا إياه الفنون والآداب من حرية يصعب الحصول عليها في غيرها من الحقول، كالبحوث العلمية، ومقالات الرأي، وغيرها، مما يتطلب فيها واضحاً لا لبس فيه، أمر فائق المتعة. لذا في تقديري الشخصي، ويتفق معي في ذلك جمع لا يستهان به من المنخرطين في هذه المجالات، إن غالبية اللاجئين إلى الاشتغال في تلك الحقول هم في الأصل هاربين من ضيق المجالات المُلتبسة إلى رحاب فضاء ماتع لا يحده سقف، ولا يعلو فوقه جماليته سوى ذائقة المتواطئين معه على حقيقته، مستقبلين إياه إما بالترحيب أو الرفض. وهنا من المهم الإشارة في عرض هذا السياق إلى الفئة التي لا تنفك عن تسخيف دور الفن، بكافة حقوله وأوعيته، في تاريخ الشعوب، وبناء حضارتها، والتعبير عنها بكل حمولاتها ومعانيها، وتشكيل ذاكرتها الجمعية. فهي مجال المتعة الذكية، والترويح عن النفس المحمل بالرسائل الضمنية، ما يلزم معها أن ندرك بأن المقللين من أهميتها بحاجة إلى الارتقاء إلى منزلة فهم وظيفته، ودلالاته العميقة، فكل نص، أو مشهد، أو حركة.. لا تعدو إلا أن تكون تعبيراً عن حصيلة معرفية، وغاية فكرية وفلسفية، لا يصل إليها إلا من مكان على مستوى راقٍ من منزلتها العالية.