في محاضرة نظمها سفراء جمعية الأدب ..

إبراهيم مفتاح يستحضر ذاكرة فرسان الشعرية .

برعاية محافظ محافظة جزر فرسان الأستاذ إبراهيم عثمان شبيلي، وبحضور شيخ شمل المحافظة الشيخ محمد هادي الراجحي، ورؤساء الإدارات الحكومية، ومشايخ وأعيان المحافظة، ونخبة من الأدباء والمثقفين، نظمت جمعية الأدب المهنية عبر سفرائها في فرسان أمسية ثقافية استضافت خلالها الأديب والمؤرخ الشاعر إبراهيم عبدالله مفتاح، الذي قدّم محاضرة بعنوان «أثر البحر والنخيل والمواسم في شعراء فرسان»، فيما أدار الأمسية الزميل محمد يامي، المحرر بمجلة اليمامة. واستهل الأمسية مشرف سفارة فرسان الأدبية الأستاذ عثمان محمد حمق بكلمة رحب فيها بمحافظ فرسان والحضور، مؤكدًا أن اللقاء يجسد رسالة جمعية الأدب المهنية في دعم الحراك الثقافي والاحتفاء بالقامات الوطنية التي كرّست حياتها لخدمة الأدب وصيانة التراث وتوثيق ذاكرة المكان والإنسان. كما ثمّن دعم الشريك المستضيف الأستاذ سليمان بلعوص، مالك فندق إيلانا، لدوره في إنجاح الفعاليات الثقافية بالمحافظة. بعد ذلك، استعرض مدير الأمسية الزميل محمد يامي السيرة الثقافية للمحاضر، متناولًا مسيرته في التعليم والصحافة، وإسهاماته في توثيق تاريخ جزر فرسان، إلى جانب مؤلفاته التي تجاوزت ثمانية عشر مؤلفًا في الشعر والرواية والتاريخ والتراث. وفي مستهل محاضرته، أوضح إبراهيم مفتاح أن علاقة الإنسان في الجزر بالبحر تعود إلى أزمنة بعيدة، وأن البحر لم يكن مصدرًا للرزق فحسب، بل شكّل هوية ثقافية وحضارية انعكست على الأدب الشفهي والموروث الاجتماعي، مشيرًا إلى أن فرسان بما تمتلكه من تاريخ ومواسم وحكايات وأساطير، ظلت مصدر إلهام للأدباء والشعراء، وهو ما تجلّى في أعماله الروائية والتاريخية، وفي إبداعات عدد من أبناء الجزيرة. وقال أنه، ومن خلال عنوان المحاضرة يرى برغم الحقب التاريخية التي مرت بها فرسان إلا أن هذه الحقب لم تسجل شعراً قديماً فصيحاً لشعراء أشار إليهم التاريخ كما أشار إلى ظهور علماء أفذاذ منهم القاضي سري الدين إبراهيم بن أبي بكر بن علي الذي توفي عام 622أي في بداية القرن السابع الهجري وقد أشار إليه المؤرخ علي بن الحسن الخزرجي في كتابه (العقود اللؤلؤية) كما أشار التاريخ إلى عالم آخر وصفه أنه من أكابر أهل زمانه وهو أبو السجاد بن عمر التغلبي الفرساني ، وخرج من فرسان وأصبح دليلاً للحجاج القادمين من الشرق وأشار المحاضر أنه بوجود هذين العالمين لا يُستبعد وجود شعراء فصيحين أغفلهم التاريخ ودل على ذلك ما عثر عليه الباحث الأستاذ إبراهيم صيادي في (معجم البابطين للشعراء)إذ وجد ضمن شعراء المعجم شاعراً اسمه عبدالله بن محمد الصيقل الفرساني إذ كان على قيد الحياه حتى عام 1283 هـ وقد وصفه المعجم أنه سُخر شعره لمدح حكام زمانه ولم توجد له إلا سوى قصيدتين وشاعر آخر اسمه إبراهيم عبدالله صيقل عثر عليه الشاعر الواعد محمد علي عمر صيقل وله قصيدة يوثق بها فخر واعتزاز(بني يعقوب) وفيها يقول (نحو بنو يعقوب هامات الذرا عز تليد في السماء مسطرا جيناك فرسان نحمي مجدنا والشعر في أرجائها قد أبحرا) وتناول المحاضر أثر البحر والمكان في الشعر الفرساني، مؤكدًا أن البيئة صنعت خصوصية النص الشعري، وربطت الإنسان بالمواسم والنخيل والبحر. كما توقف عند موسم «العاصف» الذي يعقب موسم الحريد، وما يصاحبه من انتقال الأهالي إلى قرى النخيل، وما يحمله من عادات اجتماعية راسخة، استحضرتها الذاكرة الشعبية، ومنها قول أحد الشعراء: بعد الحريد قربوا جمال الشدة وهبوا للعروس مخده واستعرض مفتاح نماذج من الشعر الشعبي الذي وثّق علاقة الإنسان بالبحر، فاستشهد بالشاعر عيسى بخيت الذي قال: إن غبت عنك أشوف يومي عليه بعام والبحر حاكم ولا يغني هوانا كما استحضر تجربة الشاعر أبكر عثمان عقيلي في مخاطبة البحر بقوله: حبيناك ومن أجلك تغنّينا ورحنا داخلك نبحث عن المحار وفي الحديث عن مواسم النخيل وما تمثله من اجتماع للأهل وعودة الغائبين، استشهد بالشاعر عبدالله محمد عبدالله، فقال: يقول خو علي هذي مواعيده حتم النخل والمجنى ولعب الدان ويأرب كل غايب للوطن عيده وخل الشمل يرجع مثل ما كان وقرأ المحاضر من شعره الفصيح، مستحضرًا البحر بوصفه رمزًا للرحلة والاغتراب، فقال: يا بحر أغربتني بالصحو فاندفعت سفائني وطوى الأبعاد إبحار وفي نص آخر قال: يا سادتي بعض أشواقي «مسافرة» وبعضها فوق خد الصبح ينهمر حيث المساءات تشكو جرح غربتها والليل من حرقة الآهات ينصهر كما استعرض نماذج شعرية من شعر شعراء فرسان، فاستشهد بالشاعر علي صيقل الذي قال: فرسان يا حبيبتي يا أمي الحنون إليك يا جزيرتي تحيةً من العيون ومن نص للشاعر حسين سهيل: عصفت بي ذاكرتي سرت صوب النخل... أعرف همس النخلات كما أشار إلى تجربة الشاعر عبدالله مفتاح بقوله: يا مهجتي كان النخيل يمد ظلاً للنخيل ويا بنيّ نموت نحيا بالكلام وتناول نصاّ للشاعر عبدالمحسن يوسف الذي لخص صورة الوطن بقوله الوطن ما الوطن؟ قلت أعراس ريح قلت نخل فصيح كما استشهد بالشاعرة زينب غاصب التي استحضرت المكان والذاكرة بقولها: وقفت تعد الخط بالأيام تنحت فيها حائط الجص خطوطًا في الجدار توازي الصف بالصف... يبعثرها الحساب واختتم إبراهيم مفتاح محاضرته باستحضار قصيدة للشاعر الراحل عمر عقيلي، الذي قال: اسمك وطن... يا وطن... لولاك ما كنت أنا إذا تجاهلت كونك يا وطن... كيف أكون؟ وأكد في ختام حديثه أن البحر والنخيل والمواسم ليست مجرد مفردات مكانية، بل عناصر أصيلة في تشكيل الهوية الثقافية والوجدان الشعري لأبناء فرسان، مختتمًا محاضرته بعبارته: «وهنا أدرك إبراهيم مفتاح الرواح، فسكت عن الكلام المباح.» وشهدت الأمسية العديد من المداخلات التي تقدم بها الحضور كما تم خلال الأمسية الإعلان عن قيام (دار خطوط وظلال) السعودية الأردنية بإعداد وإصدار الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر إبراهيم مفتاح والذي صدرت له ثلاثة دواوين شعرية عتاب إلى البحر-- احمرار الصمت -- رائحة التراب وفي ختام الأمسية، كرّم محافظ جزر فرسان الأستاذ إبراهيم عثمان شبيلي الأديب والمؤرخ إبراهيم عبدالله مفتاح المقدم من جمعية الأدب المهنية تقديرًا لعطائه الثقافي، كما كرّم مدير الامسية وقدم رئيس وأعضاء سفارة فرسان الأدبية هدية تذكارية لمحافظ فرسان لتشريفه الأمسية ورعايته للحراك الثقافي بالمحافظة.