ضجيج العربات الفارغة.

يُشير الفيلسوف الإيرلندي «جورج برنارد شو» حين قال أن: «العربة الفارغة أكثر ضجيجاً وجُلبةً من العربة المُمتلئة، وكذلك رؤوس الناس»؛ إلى حقيقةٍ مفادُها أن الأشخاص الأقلّ معرفة أو ثقافة، هُم غالباً الأكثر ضجيجاً وكلاماً فارغاً لإثبات وجودهم، بينما يتّسم الحُكماء وأصحاب العقول الناضجة بالهدوء والرزانة. والشاعر الداغستاني «رسول حمزاتوف» في كتابه «داغستان بلدي» يقول: «إن الإنسان في حاجةٍ إلى عامين ليتعلّم الكلام، وإلى ستّين عاماً ليتعلّم الصمت».. حِكمةٌ توضّح أن النطق بالكلمات سهل ومُكتسب مُبكّراً في حياة الإنسان، بينما إدراك قيمة الصمت ووقته ومعناه قد يتطلّب عُمراً كاملاً من التأمّل والتجارب. عندما يذهب أستاذ الجامعة - مثلاً - ليُلقي على مسامع طُلابه مُحاضرةً جهّز لها في الليلة الماضية قبل أن ينام، فهو يعرف عن ماذا سوف يتحدّث، وطُلابه كذلك يتطلّعون إلى ما سوف يقول.. وعندما يذهب المُدير إلى اجتماعه الصباحي مع مرؤوسيه، فهو يعرف التوجيهات التي سيقولها لهم، وهُم يتوقّعون بالخبرة ما سيقوله مُديرهم. ولكن هناك أيضاً نوعٌ آخر من الحديث الذي يخرج عن نطاق الإعداد والتوقّعات، ومثل هذا الحديث يجري عرَضاً عندما يٌسافر أحدنا - مثلاً - بالطائرة أو القطار أو الحافلة؛ إذ يجلس بجوارك في الغالب أشخاصٌ غُرباء لا تعرفهم، ولم يسبق لك أن التقيتَ بهم.. فهل أنت من طراز البشر الذي يُفضّل أن يُبادر إلى فتح حديث مع من يجلس إلى جانبه، أم تُراك من النوع الذي يميل إلى الصمت والعُزلة، فتُشغل نفسك بقراءة كتابٍٍ أو تصفّح هاتفٍ ذكيّ أو التحديق ببساطة من النافذة إذا كنت مسافراً بالقطار أو الحافلة؟ ويبقى السؤال: عن أي نوعً من الحديث بالضبط نقصد؟ ربما يتبيّن ذلك من المثال التالي: يروي الزعيم الهندي «جواهر لال نهرو» في مُذكّراته، أنه عندما كان طالباً يدرس في جامعة «كامبردج» في «بريطانيا»؛ أنشأ بعض زملائه من الطُلاب الهنود هناك جمعيةً تُعنى بالشأن العام في بلدهم الأم، على نحو ما يفعل الطّلبة المُغتربون، لا سيّما عندما يدرسون في بُلدانٍ تُتيح لهُم حُريّات، يُصبح بوُسعهم معها أن يقولوا ما لا يستطيعون قوله في أوطانهم. كان أولئك الطّلبة مليئين بالحماس ويطرحون مَطالب مُبالغاً فيها، حتى ليٌخيّل إلى من يستمع إليهم أنهم سيغيّرون الأوضاع؛ لا في «الهند» وحدها بل في العالَم كلّه! وعلى خلاف زُملائه المُتحمّسين، كان «نهرو» قليل الكلام ميّالاً إلى الصمت، وكان هذا سبباً لتوبيخه من قِبَلهم، والنظر إليه على أنه شخصٌ سلبيّ مٌنعزل عن قضايا أُمّته. وبعد أن انتهت سنوات الدراسة في «بريطانيا» عاد الجميع إلى وطنهم، وكتب «نهرو» يصف في مُذكّراته ما جرى له ولزُملاء الغُربة بعد تلك الاجتماعات والمناقشات العاصفة؛ حيث وجد المتحمّسين المُبالغين في مطالبهم بالذّات قد أصبحوا بعد عودتهم موظّفين في إدارة الانتداب الإنجليزية في «الهند»، ولم يلعبوا أي دورٍ فعّال في الحركات الاستقلالية لبلدهم عن الاستعمار! «أين ذهب حماسهم الشديد وسخطُهم على الإنجليز»؟ تساءل «نهرو»، وأجاب: «لقد تبدّد كلّ هذا على المكاتب الفاخرة، التي أعدّها الإنجليز لهُم في الهند»! لا ضرورة للتّذكير، وكما هو معروف، بأن الشّاب الصامت القليل الكلام في «بريطانيا»، والذي بدا لزُملائه فاقداً الحماس لقضايا وطنه، سيغدو بعد عودته إلى «الهند» أبرز قادة حركة الاستقلال الهندية، إلى جانب «المهاتما غاندي»، وهي الحركة التي تُوّجتْ بالنصر المُبين، ونالت «الهند» نتيجةً لها استقلالها الوطني! ليس كلّ الصّاخبين في الكلام إذاً صادقين أو جادّين فيما يقولون، أو يتميّزون بالعُمق والإخلاص الذي تمتليء به أفئدة كثيرين ممّن يعملون بِصمت وبعيداً عن الأضواء الساطعة والخُطَب الرّنانة، ولا يبتغون من وراء عملهم الحثيث شُهرةً ولا صِيتاً. بل حسبُ هؤلاء أن يروا عملهم الهاديء الدّؤوب يؤتي أُكُله مُتحقّقاً على أرض الواقع، وهذا بالطبع لا يحدث فوراً بل بعد حين، عندما تتراكم خُطوات العمل الجادّ وتبدأ نتائجه بالظّهور؛ كفلّاحٍ ينثر البذور صامتاً، فلا يراها الناس إلا بعد أن تُزهِر وتُثمِر.