باحثة في الآثار والزخارف تنقب في “الربذة” عن أسرار الحضارة..
د. سندس الزير: الحضارات العظيمة لا تُبنى بالانغلاق.
الدكتورة سندس عبدالله ناصر الزير أكاديمية وباحثة في الآثار والفنون الإسلامية، تجمع بين العمل الأكاديمي والخبرة الميدانية في دراسة التراث الإسلامي وتوثيقه، ولها مشاركات علمية وبحثية في مجالات الآثار والسياحة الثقافية.، كرّست سنوات من العمل العلميّ الممنهج لدراسة العناصر الزخرفية على معثورات موقع الربذة الإسلامي، ولم تتعامل مع الزخارف بوصفها عناصر جمالية تزيّن القطع الأثرية، وإنما باعتبارها وثائقَ حضاريةً، يمكن من خلالها قراءة جانب من تاريخ الفنّ الإسلاميّ، وفهم العلاقات الثقافية التي أسهمت في تشكيله. هنا حوار نقترب فيه من عقل الباحثة، ومن الأسئلة التي قادتها إلى هذا المشروع، ومن فلسفتها في قراءة الأثر، ورؤيتها لمستقبل الدراسات الأثرية في المملكة، وإيمانها بأن الحضارات لا تحفظها الكتب وحدها، وإنما تحفظها أيضًا تلك التفاصيل الصغيرة التي يظنّ كثيرون أنها لا تقول شيئًا، بينما تخبر الباحث المتأمل بالكثير.. *الآثار من التخصصات التي لا يختارها كثيرون، وربما تبدو للبعض بعيدةً عن اهتمامات الجيل الجديد. ما الذي قادك إلى هذا العالم؟ وهل كان اختيارك لهذا التخصص شغفًا قديمًا، أم أن الطريق هو الذي اختارك؟ -أؤمن أن بعض التخصصات لا يختارها الإنسان، بقدر ما تناديه. منذ سنوات الدراسة الأولى كنت أشعر بانجذاب إلى دراسة التاريخ، لكنني لم أكن أبحث عن سرد الأحداث التاريخية، بقدر ما كنت أبحث عن الشواهد التي بقيت منها. كنت أتساءل دائمًا: كيف عاش الناس؟ وكيف عبّروا عن ذائقتهم وأفكارهم؟ وكيف يمكن لقطعة صغيرة أن تخبرنا عن زمن كامل؟ عندما تعرفت إلى علم الآثار أدركت أنني وجدت المجال الذي يجمع بين البحث العلمي، والتاريخ، والفنّ، والتحليل. فالعمل الأثريّ لا يقوم على جمع القطع القديمة، وإنما على قراءة ما تختزنه من معانٍ، ومحاولة إعادة بناء صورة الحياة التي كانت تدبّ حولها. ومع مرور الوقت تحوّل هذا الشغف إلى مشروع علميّ، وأصبحت أرى أن كلّ قطعة أثرية تحمل رسالةً تستحق أن تُقرأ، وأن مسؤولية الباحث ليست أن يصفها فحسب، ولكن أن يفسّرها ويضعها في سياقها الحضاريّ والثقافيّ. وربما كان هذا هو الدافع الحقيقيّ الذي جعلني أواصل هذا الطريق، حتى مرحلة الدكتوراة؛ لأنني كنت أشعر في كلّ بحث أنني أقترب خطوةً جديدةً من فهم تاريخنا وحضارتنا فهمًا أعمقَ. *العمل الأثريّ ليس قاعات دراسة ومكتبات فقط، بل هو عمل ميدانيّ يتطلب صبرًا ودقةً، وأحيانًا ظروفًا شاقةً في مواقع التنقيب. كيف عشتِ هذه التجربة؟ وهل شعرتِ يومًا أن هذا المجال أصعب على المرأة، أم أن العلم لا يعترف إلا بالكفاية؟ -في رأيي، العلم لا يميّز بين رجل وامرأة، وإنما يميّز بين باحث يمتلك الشغف والالتزام، وآخر يكتفي بالمعرفة النظرية. صحيح أن العمل الأثريّ يحمل تحدياتٍ ميدانيةً تتطلب الصبر والدقة والقدرة على التعامل مع ظروف مختلفة، لكن هذه التحديات كانت لي جزءًا من متعة الاكتشاف، وليست عائقًا أمامه. خلال السنوات الأخيرة شهدت المملكة نقلة نوعية في قطاع التراث والآثار، وأصبحت الباحثة السعودية حاضرةً في الجامعات، وفي مواقع التنقيب، وفي المتاحف، وفي المشروعات العلمية الكبرى. ولم يكن هذا الحضور منحةً، بل جاء نتيجة كفاية علمية واقتدار أثبتتهما الباحثات في مختلف مجالات التراث والآثار. وأعتقد أن المرأة تضيف إلى هذا التخصص حسًّا مختلفًا في الملاحظة، وصبرًا في التوثيق، واهتمامًا بالتفاصيل، وهي صفات يحتاج إليها الباحث الآثاري كثيرًا. لكن في النهاية، تبقى القيمة الحقيقية لأيّ باحث فيما يقدمه للعلم، لا في هويته، لأن المكتشفات الآثارية لا تسأل من يقرأها، بل تكافئ من يحسن قراءتها. *يقرأ معظم الناس التاريخ في الكتب، بينما يقرأه عالم الآثار في الأشياء. كيف تنظرين إلى هذه الفكرة؟ وهل يمكن لقطعة أثرية صغيرة أن تروي ما تعجز عنه صفحات كاملة من التاريخ؟ -أعتقد أن هذه هي أكثر الجوانب التي أسرتني في علم الآثار. فالمؤرخ يعتمد غالبًا على ما كُتب، أما عالم الآثار فيبحث عمّا بقي. والنصوص التاريخية، على أهميتها، تعكس أحيانًا رؤية كاتبها أو ظروف عصرها، بينما تحمل القطعة الأثرية شهادة مختلفة؛ لأنها جزء من الحياة نفسها. قد تبدو قطعة فخار أو أداة معدنية شيئًا بسيطًا، لكنها في الحقيقة تختزن معلوماتٍ كثيرةً. فمن طريقة صناعتها، ونوع مادتها، وزخارفها، ومكان العثور عليها، نستطيع أن نقرأ مستوى الحرفة، وملامح الحياة اليومية، وطرق التجارة، والعلاقات بين المجتمعات، وحتى الذائقة الفنية التي كانت سائدة في ذلك العصر. لهذا أؤمن أن الآثار لا تنافس المصادر التاريخية، بل هي تكمّلها. فهي تمنحنا فرصةً لرؤية التاريخ كما عاشه الناس، لا كما كُتب عنهم فقط. وربما لهذا السبب أشعر دائمًا أن القطعة الأثرية لا تروي قصة نفسها، بل تروي قصة الإنسان الذي صنعها، واستخدمها، ثم تركها لتصل إلينا بعد قرون طويلة. *في رسالتك للدكتوراة لم تتوقفي عند وصف الزخارف، بل تعاملتِ معها بوصفها وثائقَ حضاريةً. متى تتحول الزخرفة، في نظر الباحث، من عنصر جماليّ إلى مفتاح لفهم حضارة كاملة؟ -حين ننظر إلى الزخرفة بوصفها مجرد عنصر للتزيين، فإننا نرى نصف الصورة فقط. أما الباحث الأثريّ فيدرك أن كل خطّ، وكلّ شكل نباتيّ أو هندسيّ، وكلّ نقش جاء نتيجة فكرة، وبيئة، وذائقة، وربما تأثر بحضارات أخرى أو عبّر عن هوية محلية. الزخرفة تحمل داخلها معانيَ تتجاوز الجمال؛ فهي تكشف عن تطور الفنون، ومستوى المهارة التقنية، والرموز التي كانت متداولةً، كما تساعد في تتبع التأثيرات الحضارية بين الأقاليم الإسلامية المختلفة. ولهذا كانت دراستها لي محاولة لفهم المجتمع الذي أبدعها، لا مجرد وصف للأشكال التي نراها على سطح القطع الأثرية. وأظنّ أن أجمل ما في البحث الأثريّ أنه يعلمنا ألا نتعجّل الأحكام. فما يبدو تفصيلًا صغيرًا قد يكون مفتاحًا لفهم مرحلة تاريخية كاملة، وما يبدو مجرد زخرفة قد يكون رسالةً حضاريةً بقيت صامتةً قرونًا، حتى جاء من يحاول قراءتها. *أمضيتِ سنوات مع الربذة؛ قراءةً، وتحليلًا، ومقارنةً، وتأملًا. بعد كلّ هذه الرحلة. هل بقيت الربذة تمثّل لكِ موقعًا أثريًّا، أم تحوّلت إلى حكاية شخصية؟ وما الذي تركته هذه المدينة في وجدان الباحثة سندس الزير؟ -في بداية الرحلة كانت الربذة تمثّل لي موقعًا أثريًّا مهمًّا، يحمل مادةً علميةً تستحقّ الدراسة. لكن مع مرور الوقت، ومع كلّ قطعة أثرية كنت أدرسها، بدأت أشعر أنني أتعرف إلى مدينة نابضة بالحياة، لا إلى أطلال صامتة. لم أعد أرى الفخار فخارًا مجرّدًا، ولا الزجاج زجاجًا مجردًا، أصبحت أرى الإنسان الذي صنع هذه القطع، واليد التي زخرفتها، والطريق الذي حملها، والأسواق التي تداولتها، والحجاج الذين مرّوا بها، والحياة التي كانت تدور حولها قبل أكثر من ألف عام. وهذه هي أجمل هدايا البحث العلميّ؛ أنه لا يضيف إلى الباحث معلومات جديدة فحسب، لأنه يغيّر طريقته في النظر إلى الأشياء. فالربذة لم تعد اسمًا في كتاب تاريخ، وإنما مدينة ما زالت تنبض بالحياة، من خلال ما بقي منها، وكلما تعمّقت في دراستها ازددتُ يقينًا بأن المواقع الأثرية ليست بقايا حضاراتٍ انتهت، بل صفحاتٍ مفتوحةً تنتظر من يقرأها بعين العلم والمحبة. *اعتمدتِ في رسالتك على مقارنة معثورات الربذة بنظائرها داخل الجزيرة العربية وخارجها. ماذا علمتكِ هذه المقارنات عن الحضارة الإسلامية؟ وهل كانت الحضارة تبني نفسها بالعزلة، أم بالحوار مع الحضارات الأخرى؟ -من أهمّ ما خرجت به من هذه الدراسة أن الحضارة الإسلامية كانت حضارةً واثقةً بنفسها، ولذلك لم تخشَ التفاعل مع غيرها. فقد استفادت من خبرات الحضارات السابقة، لكنها لم تكتفِ بالنقل أو التقليد، وإنما أعادت تشكيل ما أخذته داخل إطارها الثقافيّ والفنيّ، حتى أصبح يحمل شخصيتها وهويتها الخاصة. وقد أظهرت المقارنات بين زخارف الربذة ونظائرها في أقاليم إسلامية مختلفة حجم التواصل الذي كان قائمًا بين المراكز الحضارية آنذاك، سواء عبر التجارة أو الحجّ أو انتقال الحرفيين والأفكار. وهذا يؤكّد أن الحضارة الإسلامية لم تنشأ في فراغ، بل كانت جزءًا من حركة إنسانية واسعة، أخذت وأعطت، وتأثرت وأثرت. وأعتقد أن هذه من أهمّ الرسائل التي يقدمها علم الآثار اليوم؛ فهو يذكّرنا بأن الحضارات العظيمة لا تُبنى بالانغلاق، وإنما بالثقة التي تجعلها قادرةً على التفاعل، ثم الإبداع، ثم إنتاج شخصيتها الخاصة. *يقضي الباحث الأثريّ سنوات، وهو ينقّب في طبقات الأرض، ويقرأ ما تركه السابقون من شواهد صامتة. بعد هذه الرحلة الطويلة مع الآثار…، ماذا تعلمتِ عن الإنسان؟ وهل جعلكِ الاقتراب من الماضي أكثر فهمًا للحاضر؟ - ربما كان هذا هو أعظم ما منحني إياه علم الآثار. ففي البداية كنت أظنّ أنني أدرس الماضي، لكنني اكتشفت مع مرور الوقت أنني أتعلّم عن الإنسان. كلّ حضارة تركت آثارها كانت تظنّ أنها تعيش حاضرها فقط، لكنها كانت، من حيث لا تشعر، تكتب رسالتها إلى المستقبل. وحين نتأمّل ما بقي منها ندرك أن الإنسان، مهما اختلف زمانه ومكانه، ظلّ يبحث عن الأشياء نفسها؛ عن الجمال، والاستقرار، والإبداع، وترك أثر يبقى بعد رحيله. كما تعلّمت أن التفاصيل الصغيرة ليست صغيرةً، كما نظنّ. فقد تغيّر زخرفة بسيطة، أو أداة يومية، فهمَنا لمرحلة تاريخية كاملة، وهذا يجعلني أكثر انتباهًا لتفاصيل الحياة المعاصرة أيضًا. فما نعدّه اليوم عابرًا أو مألوفًا، قد يصبح بعد مئات السنين مفتاحًا لفهم عصرنا. ولهذا أشعر أن دراسة الماضي لا تجعل الإنسان يعيش خلفه، ولكنها تمنحه وعيًا أعمقَ بالحاضر، وتجعله أكثرَ تواضعًا أمام الزمن؛ لأن الحضارات، مهما بلغت من القوة والازدهار، لم يبقَ منها في النهاية إلا ما قدمته للإنسانية من علم، وفنّ، وقيم، وأثر جميل. *شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا في الاهتمام بالتراث والآثار، سواء على مستوى الاكتشافات أو المؤسسات أو برامج التأهيل. من موقع الباحثة، كيف تقرئين هذا التحوّل؟ وما الذي تحقّق، وما الذي ما زلتِ ترين أنه يحتاج إلى مزيد من العمل العلميّ؟ -لا شكّ أن ما يشهده قطاع التراث والآثار في المملكة اليومَ يمثّل مرحلة تاريخية مهمة، فقد أصبح التراث جزءًا من رؤية وطنية تنظر إليه بوصفه عنصرًا من عناصر الهوية، وموردًا ثقافيًّا وتنمويًّا، وليس مجرد ماضٍ يستحقّ الحفظ. وقد انعكس ذلك في اتساع أعمال التنقيب، وتطور برامج التأهيل، وزيادة حضور الجامعات والهيئات المتخصصة، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالمواقع الأثرية والمتاحف. لكن التطور الحقيقيّ لا يقاس بعدد المشروعات فقط، وإنما بقدرتنا على إنتاج معرفة علمية متجددة. وما زلت أرى أن أمام الباحثين مساحات واسعة للدراسة، سواء في إعادة قراءة المكتشفات الأثرية بمنهجيات حديثة، أو في التوسع في الدراسات المقارنة، أو في توظيف التقنيات الرقمية التي أصبحت اليوم جزءًا أساسيًّا من البحث الآثاريّ في العالم. وأعتقد أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة اكتشاف المواقع فحسب، بل هي مرحلة اكتشاف المعاني التي تحملها، وتحويل هذه المكتشفات إلى معرفة تضيف إلى التاريخ الإنسانيّ، وتبرز المكانة الحضارية للمملكة بوصفها أرضًا شهدت تعاقب حضارات وثقافات متعددة. *تنجز الجامعات كل عام رسائل علمية ثريّة، لكن كثيرًا منها يبقى حبيس المكتبات. برأيك، كيف يمكن تحويل نتائج البحوث الآثارية إلى معرفة تصل إلى المجتمع؟ وهل ترين أن إيصال المعرفة مسؤولية الباحث وحده، أم أنها مسؤولية مشتركة بين الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية؟ -أؤمن أن البحث العلميّ يكتمل حين يصل أثره إلى المجتمع. فالرسائل الجامعية تُكتب وفق منهج علميّ متخصص، وهذا أمر ضروريّ، لكن المعرفة لا ينبغي أن تبقى محصورة في الإطار الأكاديميّ. لدينا نتائج علمية مهمّة تستحقّ أن تتحول إلى كتب مبسّطة، ومقالات ثقافية، وأفلام وثائقية، ومعارض تفاعلية، ومحتوى رقميّ يستطيع أن يلامس مختلف فئات المجتمع. وأرى أن هذه مسؤولية مشتركة: تبدأ من الباحث الذي ينبغي أن يؤمن بأهمية تبسيط المعرفة، وتمرّ بالجامعات التي يمكن أن تشجّع نشر مخرجات البحوث بلغة يفهمها غير المتخصّص، ثم تتكامل مع المؤسسات الثقافية والإعلامية التي تمتلك القدرة على تحويل المعرفة إلى وعي مجتمعيّ. فالتراث لا يحيا بحفظه في المستودعات، وإنما يحيا حين يصبح جزءًا من ثقافة الناس، وحين يشعر كلّ فرد أن هذه المكتشفات تحكي شيئًا من قصته، ومن تاريخ وطنه، ومن هويته التي ينتمي إليها. *إذا أغلقتِ اليوم ملفّ الربذة، وفتحتِ غدًا صفحةً بحثيةً جديدةً؛ فأيّ موقع أثريّ أو حقبة تاريخية ستختارين أن تمنحيها سنوات جديدة من عمرك وجهدك؟ وما السؤال الذي ما زال يؤرّق الباحثة في داخلك، وتبحثين عن إجابته؟ - لكلّ باحث مشروع ينجزه، ومشروع آخر يظلّ ينتظره. والجميل في علم الآثار أن الأسئلة لا تنتهي، فكلّ إجابة تقود إلى سؤال جديد، وكلّ مكتشف يفتح بابًا لمكتشفات أخرى. لكني لا أرتبط بموقع أثريّ بعينه بقدر ارتباطي بالأسئلة التي لم تُطرح بعد. وأجد نفسي دائمًا منجذبة إلى الموضوعات التي تسمح بإعادة قراءة التراث من زوايا جديدة، خصوصًا تلك التي تكشف الجوانب الإنسانية والفنية للحضارة الإسلامية، وتربط بين الشاهد الأثريّ وسياقه الثقافيّ والاجتماعيّ. ما أرجوه أن تتجه أبحاثي القادمة إلى مشروعات تجمع بين الدراسة الأثرية والفنون الإسلامية، مستفيدةً من التقنيات الحديثة وأساليب التحليل المعاصرة، بما يسهم في تقديم قراءة أكثر عمقًا لتراثنا، ويؤكد أن المواقع الأثرية ليست أماكن نعود إليها لنستذكر الماضي فحسب، بل مختبرات مفتوحة لفهم الإنسان، واستشراف المستقبل، من خلال معرفة الجذور. *بعد هذه الرحلة الطويلة مع البحث والآثار، ماذا تتمنّين أن يبقى من سندس الزير بعد سنوات؟ هل هو كتاب، أم اكتشاف علميّ، أم طالب علم تتلمذ على يديك، أم فكرة تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى تراثنا؟ - أعتقد أن الباحث لا يقاس بمقدار ما نشره من بحوث، وإنما بما تركه من أثر في المعرفة والإنسان. وإذا كان لي أن أتمنى شيئًا من أثر يبقى، فهو أن أكون قد أسهمت، ولو بقدر يسير، في أن ينظر الناس إلى تراثهم بوصفه جزءًا من هويتهم الحية، لا مجرد صفحات من الماضي. أتمنى أن يخرج من أعمالي باحث أو باحثة يحمل الشغف نفسه، ويواصل الطريق من حيث وصلت؛ لأنَّ العلم لا يبنى بجهد فرد، بل بتراكم المعرفة والجهود، وتعاقب الأجيال. وأؤمن بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان ليس اسمًا يذكَر، وإنما معرفةٌ تنفع، وفكرةٌ تُلهِم، وأثرٌ يبقى بعد أن يغيب صاحبه. وإذا استطعت أن أحقّق شيئًا من ذلك، فسأشعر أن رحلتي مع البحث والآثار كانت تستحقّ كلّ ما بذل فيها من وقت وجهد.