في محبّة تركي الحمد.

أمّا تركي الحمد فهو كائن آخر، إنه أستاذ السياسة، والمفكر الذي ينقّب في جذور الأفكار، والروائي الجارح الذي يقتحم المناطق المحاطة بالصمت، والكاتب الذي يقول ما يراه كاملاً من دون أن يضع عينه على أبواب الرضا أو الغضب. تقرأ له فتشعر أن الكتابة عنده موقف من الحياة، وأن الجملة مسؤولية، وأن الفكرة التي تخاف من الضوء لا تستحق أن تعيش طويلاً. عرفته قارئاً قبل أن أعرفه إنساناً. كانت كتبه تصل إلى القارئ محمّلة بأسئلة أكبر من صفحاتها، وتتركه بعد السطر الأخير أمام مرآة لا تمنحه فرصة الهرب. لم يكن هدفه أن يطمئنك أو أن يربت على أفكارك القديمة، فقد كان يدفعك إلى مراجعتها، ويفتح في جدران (المسلّمات) نوافذ يدخل منها الهواء، وربما دخل منها الغبار والإزعاج أيضاً. المهم عنده أن تتحرك الغرفة الساكنة، وأن يستيقظ العقل من طمأنينته الطويلة. أذكر أنه أرسل إليّ ذات يوم بعيد روايته «جروح الذاكرة». وصلتني عبر صندوق البريد في محافظتي «ضمد»، وعندما تسلمت الظرف وجدته ممزقاً و (مخرّقاً) في أجزاء كثيرة، كأنّ أحدهم (فتّشه) بعناية باحثاً عن شيء غامض بين الورق. أخبرته بما حدث، فجاءني رده ساخراً وخاطفاً: ربما كانوا يظنون أن داخل الظرف قنبلة، وليس كتاباً! ضحكتُ يومها، ثم أدركت أن العبارة تختصر شيئاً عميقاً في تجربة تركي الحمد. فبعض الكتب يحمل قوة القنبلة من دون بارود، ويحدث دوياً من دون نار، ويزعج السكون من خلال فكرة مكتوبة بحبر هادئ. وكان كتاب الحمد في الوعي الثقافي قادراً على إثارة هذا النوع من القلق، لأن صفحاته لم تكن تمر على القضايا مرور الزائر المهذب، وإنما تدخل إليها، وتفتح خزائنها، وتفتّش في المسكوت عنه، ثم تترك الأبواب مفتوحة أمام القارئ. و»جروح الذاكرة» عنوان يكاد يصلح لوصف مشروعه الروائي كله. فالذاكرة عنده ليست أرشيفاً للصور القديمة، وإنما هي ساحة للتحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي مر بها الإنسان السعودي والعربي. وفي هذه الرواية يتتبع تحولات أسرة سعودية انتقلت من القرية النجدية الفقيرة إلى الرياض، ومن عالم ما قبل النفط إلى مجتمع تبدلت فيه أنماط العيش والقيم والعلاقات، فجاءت الحكاية نافذة على التحول الكبير الذي أعاد تشكيل المكان والإنسان معاً. تركي الحمد لا يكتب التاريخ من مقعد المؤرخ، هو يلتقط (أصداءه) من داخل الروح. ينظر إلى الحدث العام من خلال المصير الفردي، ويرى السياسة وهي تتسلل إلى البيوت، وإلى علاقة الأب بأبنائه، وإلى خوف الأم، وقلق الشاب، وصدام الأجيال. هنا تكمن إحدى أهم خصائصه الروائية، حيث قدرته على تحويل الفكرة السياسية والاجتماعية إلى لحم ودم، وإلى شخصيات تتكلم وتخطئ وتحب وتخسر وتندم. وقد جاء هذا العمق من تكوين أكاديمي ثابت وراسخ حدّ البقاء. درس الاقتصاد والعلوم السياسية، وحصل على الماجستير في العلوم السياسية، ثم الدكتوراه في النظرية السياسية من جامعة جنوب كاليفورنيا، وعمل أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة الملك سعود قبل أن يتفرغ للكتابة. هذه المعرفة لم تبق في كتبه على هيئة مصطلحات جامدة أو استعراض أكاديمي، فقد ذابت في السرد والتحليل، وأصبحت عدسة يقرأ من خلالها المجتمع والدولة والتاريخ والفرد. لهذا يصعب الفصل بين تركي الحمد أستاذ السياسة وتركي الحمد الروائي. الإثنان يجلسان إلى الطاولة نفسها. أستاذ السياسة يقرأ بنية السلطة والتحولات الاجتماعية، والروائي يصغي إلى دقات القلب خلف هذه البنية. المفكر يطرح السؤال، والسارد يمنح السؤال وجهاً واسماً وبيتاً وشارعاً وذاكرة. وحين تجتمع هذه الأصوات، يولد نصّ واسع الطبقات، يمكن قراءته بوصفه رواية، أو شهادة اجتماعية، أو تأملاً في مصير الإنسان حين تتحرك الأرض تحت قدميه. ومع ذلك، لم يكن أسيراً للجامعة ولا للمنهج الأكاديمي. تركي الحمد يدرك أن المعرفة التي لا تغادر القاعة تصبح دائرة مغلقة، ولذلك حمل أسئلته إلى المقالة والرواية والمنبر العام. كتب بلغة تصل إلى القارئ، مع احتفاظها بصرامة الفكرة، وخاض في السياسة والثقافة والدين والمجتمع والحداثة والهوية. وكان يعلم منذ البداية أن الاقتراب من هذه الملفات سيكلّفه كثيراً، لكنه لم يتراجع إلى منطقة آمنة، ولم يحوّل قلمه إلى موظف في إدارة المجاملات. الجرأة عنده ليست صراخاً. إنها قدرة على الذهاب بالفكرة إلى نهايتها، والاستعداد لتحمل ما يأتي بعدها. وكثيرون يستطيعون إطلاق العبارات الحادة في لحظة حماس، بينما يحتاج الموقف الفكري المستمر إلى صبر وصلابة وثمن يدفعه الكاتب من راحته وسمعته وعلاقاته. وتركي الحمد خبر هذه الأثمان، وبقي محتفظاً بحقه في أن يفكر بصوته، وأن يعلن رؤيته حتى حين تصبح الرؤية سبباً في خصومة واسعة. اختلف الناس معه كثيراً، وربما اتفقوا معه قليلاً، وهذه إحدى علامات حضوره الحقيقي. الكاتب الذي لا يثير سؤالاً يمرّ خفيفاً، والكاتب الذي يكرر ما يقوله الجميع ينتهي بانتهاء المناسبة. أما الحمد فقد جعل من الاختلاف جزءاً من علاقته بالقارئ. قد تغضب من استنتاجاته، وقد ترفض مقدماته، وقد تناقشه طويلاً، لكنك نادراً ما تغادر نصه بلا موقف. إنه يحرك الماء، ويجبرك على تحديد موقعك، ويمنعك من الاحتماء بالحياد الكسول. ولا تعني الإشادة بشجاعته الموافقة على كل ما كتب أو قال. قيمة المفكر لا تقاس بعدد المصفقين له، ولا تتحقق بتحويله إلى صاحب إجابات (مقدّسة). تركي نفسه لم يطلب هذا النوع من التلقي. مشروعه قائم على السؤال، ومن الوفاء له أن نقرأه بعقل نقدي، وأن نختلف معه بوضوح واحترام، وأن نضع أفكاره في ميزان المعرفة والزمن. فالمفكر الكبير يعلّمك كيف تناقشه، ولا يطلب منك أن تسير خلفه مغمض العينين. في رواياته، يكتب الإنسان المحاصَر بين ما ورثه وما يريده، بين سلطة الجماعة ونداء الفرد، بين الذاكرة التي تشده إلى الخلف والمستقبل الذي يربكه. شخصياته تحمل تناقضاتها بصدق، فلا يقدمها ملائكة أو شياطين. الإنسان عنده مزيج من الخوف والرغبة والضعف والطموح، والمجتمع شبكة متداخلة من المصالح والقيم والتحولات. هذه الرؤية هي التي منحت أعماله قدرتها على البقاء، لأنها تجاوزت الحدث العابر إلى الأسئلة الإنسانية التي تتكرر بأسماء وأزمنة مختلفة. أما لغته، فتبدو واضحة في ظاهرها، عميقة في طبقاتها. لا يرهق القارئ بزينة لفظيّة، ولا يختبئ خلف الغموض. يذهب إلى الفكرة مباشرة، ثم يتركها تعمل في الداخل. وفي الحوار الروائي تظهر خبرته في التقاط أصوات الناس، وفي المقال يظهر منطقه المرتب، وقدرته على بناء الحجة، وربط الجزئي بالكلي، واليومي بالتاريخي. يكتب وهو يعرف وجهته، حتى عندما يقود القارئ إلى منطقة شائكة. لقد ساهم تركي الحمد في توسيع المساحة المتاحة للرواية السعودية. منحها شجاعة أكبر في الاقتراب من السياسة والدين والتحولات الاجتماعية والاضطرابات النفسية. ثلاثيته «أطياف الأزقة المهجورة»، ثم أعماله اللاحقة، وضعت القارئ أمام مجتمع يتغير بعنف، وأمام جيل اصطدمت أحلامه بالأيديولوجيا والسلطة والتقاليد والأسئلة الوجودية. وقد ارتبط اسمه منذ ذلك الوقت بالجدل، حتى صار حضوره الأدبي والفكري جزءاً من النقاش الثقافي السعودي والعربي. ولأنه أستاذ سياسة، فقد فهم أن الرواية وثيقة من نوع خاص. الوثائق الرسمية تسجل القرارات والتواريخ والأسماء، أما الرواية فتسجل الخوف الذي لم يظهر في المحاضر، والخذلان الذي لم يدخل الأرشيف، والأحلام التي دهستها التحولات. لذلك تبدو أعماله سجلاً موازياً لتاريخنا الاجتماعي، تاريخاً يرويه الناس من داخل بيوتهم وقلوبهم، بعيداً عن اللغة الباردة التي تلخص العقود في بضعة أسطر. هذا هو تركي الحمد كما عرفناه وقرأناه، عقل سياسيّ لا ينام داخل النظريات، وروائيّ يضع إصبعه على الجرح، ومفكّر يرفض أن يمنح الخوف حق تحرير سطوره، وإنسان يمتلك من السخرية ما يجعله يبتسم أمام ظرف ممزق ويحوّله إلى حكاية لا تُنسى. إنه كائن آخر بالفعل، عصيّ على التصنيف الواحد، حاضر في أكثر من ميدان، ومثير للأسئلة حتى في صمته. قد تتفق معه، وقد تختلف، وقد تغضب منه، لكنك ستجد نفسك مضطراً إلى التفكير. وتلك منزلة لا يبلغها إلا كاتب ترك في زمنه علامة، وترك في قرائه قلقاً جميلاً، وعلّمهم أن الكتاب قد يصل داخل ظرف (مطعون) من كل أجزائه، ثم يظل قادراً على ترميم شيء عميق في الوعي. تركي الحمد.. أستاذ السياسة الذي كتب الإنسان، والروائي الذي حوّل الذاكرة إلى محكمة، والمفكر الذي عرف أن الكلمة الصادقة قد تُعامل أحياناً كقنبلة!. (*) كاتب وصحافي سعودي