دوج(ن) حمر والرفارف سود
قديماً كان السفر البريّ بالسيارة مشقة ومتعة في آن. يصعب اجتياز الصحاري والقفار ذات الدروب المتشعبة غير الممهدة إلا بسائق محترف و» معاوني «. نعم معاون سواق كما في عالم الطيران، ففي الطائرات التجارية كما هو معروف كابتن ومساعد. كان سائق المركبة (وانيت أو لوري) يحظى بتقدير كبير من أفراد المجتمع وبإعجاب وتدليل من قبل الركاب. لا احد يُغضبه أو يُجادله فيما يعرف، حتى لو أضاع الدرب فهو أدرى. « المعاوني « في الغالب شخص أصغر منه سناً إذ يقوم بالأعمال الشاقة فمثلاً حين (يبنشر) أحد الكفرات يقوم برفع السيارة بالعفريتة بعد افراغ حمولتها ويفك صواميل الجنط ويُخرج اللستك (الأنبوب المطاطي) من جوف الكفر ثم يرقعه برقعة من ماركة (الجمل) وتلك العملية تحتاج الى خبرة كبيرة وممارسة متراكمة. أثناء ذلك يكون سيادة الباشا السواق مرتاح يُقدّم له الركاب القهوة والشاي والتمر. قبل دخول السيارات للجزيرة العربية كان التنقل فيما بين مناطقها وواحاتها يتم بالإبل كوسيلة نقل تناسب بيئة الصحراء الشاقة، ولتخفيف مشقة السفر كان الحادي يطرد النعاس عن نفسه ويحث الرواحل على المسير برفع عقيرته بلحن الهجيني (نسبة الى الهجن) فتستجيب الإبل لإيقاع الصوت ونغمته لتنتظم خطواتها وتسير بوتيرة ثابته موحدة وقد تنشط في مسيرها طرباً. لكن ما بال سائق مركبة صماء بكماء من حديد يرفع عقيرته ليس بحداء، بل هو اقرب للغناء المُنغّم الخفيف؟ وليس السواق هو المغني الوحيد، بل يُشارك معه المعاوني فيقوم بترديد نفس الكلام بذات النغم والايقاع. عرفت لاحقا بأن السواق يُسلي نفسه ويطرد عنه النعاس سيما والسفر بالسيارة الذي كان يستغرق أكثر من يوم يمكن قطعه اليوم في ثلاث ساعات. أذكر أهزوجة يتغنى بها السواقين في ذاك الزمن تقول كلماتها: دوج(ن) حمر والرفارف سود بستان جبره مداهيله واليا ركب به نعيم العود ما يلبس البشت والشيله لا ريب بأن للمسافر قديماً أداة ترفيه ذاتية وهي الغناء للترويح عن النفس والتخفيف من وعثاء السفر بينما اليوم تعددت تلك الوسائل ومنها لمس شاشة صغيرة أمام مقعد راكب الطائرة لينفتح له عالم واسع من الترفيه وهو في جوف السماء. *لندن