السباق المحموم والكأس!
ذهن منهك من تعدد المسارات واللهث وراء الخيارات في ذلك السباق المحموم للوصول إلى اللاوصول! حيث الرحلة اللامنتهية للوصول إلى القمة، تلك القمة التي تتعب المتسلقين الذين يظنون أنهم انتصفوا الطريق وإذا بهم يتقهقرون في هذا السباق! فلا تعلم إن كان الأمر يستحق كل هذا العناء وهذا الركض ، أم أننا صنعنا قصة وهمية لمستقبل بعيد وغير موجود محاولة للمواكبة والمسايرة في رحلة العمر. في عالم الأنظمة المتشعبة والمعقدة، يجد خرّيج المرحلة الثانوية نفسه في مفترق طرق وتحت رحمة سياط القدرات والتحصيلي والأنظمة المعيارية التي ظاهرها عدالة وباطنها عذاب نفسي وذهني وصدمات ظالمة لمن بذل الغالي والنفيس لتتكشف الأقنعة وتظهر الفجوات السنوية التي تعطي الصورة الحقيقية لواقع التعليم والمخرجات المؤسفة والتي يدفع ثمنها الطالب المغلوب على أمره، ومن ثم تأتي عشوائية القبول الموحد الذي يجبر الطالب على إدخال خياراته قبل وضوح الرؤية لديه، وما بين الأحمر والأصفر والأخضر تأتي قصة ألم أخرى يعيشها الطالب وهو في أزمة المرور أم الانتظار أو الرفض! وتبدأ الآراء المتنوّعة من النصائح في وضع الاختيارات المناسبة في حين أنه لم تكتمل بياناته بعد، ثم تعديل الخيارات مرة أخرى بناءً على آخر التحديثات، فإن ظهر الكأس فأنت في مأمن، وإن ظهر اللون الأخضر ففرصتك مازالت كبيرة في القبول، والأصفر هو تعلق في قشة الأمل، وأما الأحمر فهو بمثابة حكم المبارة الذي طرد اللاعب في الجولة الأخيرة، وكأنهم يسخرون من جهودهم التي هُدرت في ظل التجارب المؤسفة والعشوائية وعدم فهم الآلية كل عام للمستجدات العشوائية التي تحدث، وكأنه طريق وعر بلا نور! وعلى الضفة الأخرى هناك خرّيج الجامعة الذي يتلفت عن يمينه وعن شماله محاولًا إيجاد فرصة عمل ما بين الروابط الإلكترونية الكثيرة والوعود الوهمية بالرواتب والمزايا، وحسابات لينكد إن التي تتناثر و الكل ينكب عليها، ولا تعلم إن كانت هذه آلية داعمة للتوظيف أم مجرد محاولات تقنية عبثية، فيقع في حيرة، هل يزيد من وتيرة الركض ويطرق كل الأبواب، أم يصعد مرة أخرى في مسار أكاديمي ويبحث عن فرصة قبول لإكمال الدراسات العليا؟ لم يعد الطالب اليوم يبني طموحه وأحلامه وهو يمشي بين كل هذه الحجارة المتراكمة، ولا أدري إن كان الأمر يستحق كل هذا التعقيد وهذا العناء، ومع وضوح الخلل، إلا أن هناك آذان لا تحسن الانصات، فتعددت الجبهات ما بين مؤيد ومهاجم، وأكثر المهاجمين هم من عاشوا الأمرّين من الأهل والطلّاب، وأما المؤيدين قد يكونون من هم بمنأى عن هذه المعاناة فيرونها مبالغة ويجدون أن الأمر تحكمه العدالة! ما هكذا تورّد الإبل، نحن نتكلم عن مقدرات لأبناء البلد، وعن تأهيلهم بما يدعمهم في بنيان وطنهم، وليس بتحدّيهم لدرجة التنفير من أساليب التعليم المتذبذبة، وكيف لنا أن لا نؤهل أبناءنا للاستمرار في مسيرة بناء هذا الوطن وأن نتجاهل أهم كنز ومورد لوطننا العظيم، ألا وهو المورد البشري، فإن لم نصلح التعليم، لن تكون المخرجات مرضية، وإن لم يكن هناك نظام مرن يدعم الجميع في الحصول على فرصة للتعلم وبناء المستقبل، سيتراكم العاطلون وهم مستائين وموجوعين، فهّلا خففنا من حدّة السباق، وجعلنا الخطوات واضحة وموحدة والمسار آمن للوصول؟! اغتيال الطموح في مهده يصنع لنا جيلًا لا مُبالٍ، محطم من تعقيد الأنظمة، متوقف عند محطة قبول، يرجو سلامة العبور، لعل وعسى أن يصل إلى شهادة تكفيه شر السؤال، يغلبه الحيرة من مستقبل مشوّش وغير واضح المعالم. نحتاج إلى إعادة النظر من هذا الكابوس السنوي، ووضع الأمور في نصابها الطبيعي، وإتاحة الفرص للجميع، ولا تكن نسبة واحدة من المئة هي الفارق في صناعة المستقبل، بل المهارات والإمكانيات الحقيقية التي لا تكشفها الورق ولا الدرجة المعيارية، بل تكتشفها مقاعد الجامعة وأروقتها وأنشطتها الحقيقية، التي تلمس الواقع وتعيد للشباب الأمل في المستقبل القادم.