آباء الانطباعية المنسيون ..

الفن الذي خرج إلى الهواء الطلق .

كورو وشانتري.. هندسة الروح في الطبيعة يكاد لا يخلو متحف فني أو غاليري من الأعمال الانطباعية، وقد لا نبالغ إذا قلنا إنّ الانطباعية هي أكثر الأساليب الفنية التي لاقت رواجاً عالمياً، وشكّلت ظاهرة فنية وتجارية على حد سواء. لكن، قبل أن يجرؤ كلود مونيه على تفتيت الضوء بضربات فرشاته السريعة، وقبل أن تصبح «اللحظة العابرة» هي العقيدة الرسمية للفن الحديث، كان هناك فنانون يقفون بصمت في غابات «باربيزون»* وحقول فرنسا؛ هرباً من ضجيج الثورة الصناعية وقيود الأكاديمية الفنية الصارمة، يستنطقون الطبيعة بلغة لم يعهدها الفن الأكاديمي من قبل. وكان شعار فناني باربيزون هو الصدق المطلق في تصوير الطبيعة والرسم في الهواء الطلق؛ فقد خرجوا ليرسموا المشهد مباشرة أمامهم، لا من الذاكرة، ومجّدوا الريف ورسموا الفلاحين، والأشجار، والمستنقعات، والحيوانات، مُعلين من شأن الحياة البسيطة بدلاً من المعارك البطولية والمشاهد الدينية، ومحاولين نقل إحساس اللحظة الراهنة كالهدوء، الرطوبة، وضوء الفجر. فالانطباعية لم تكن انفجاراً مفاجئاً، بل كانت نتيجة مخاض طويل قاده «آباء روحيون» مهدوا الطريق لمن جاء بعدهم. وفي مقدمة هؤلاء يبرز الفنان الفرنسي كميل كورو (1796-1875)، الذي قال عنه مونيه ذات يوم: «لا يوجد سوى سيد واحد هنا، وهو كورو، نحن لا شيء مقارنة به». كان كورو ذلك الشاعر الذي لم يرسم الأشجار فحسب، بل رسم «الحفيف» الذي يتخللها، محولاً المشهد الطبيعي من توثيق جامد إلى ترنيمة بصرية من الضباب والضوء. ومن عباءة كورو، خرج تلميذه النجيب أنطوان شانتري، ليخط مساراً أكثر حدة ودرامية؛ فبينما كان الانطباعيون يبحثون عن عفوية الضوء اليومي، كان شانتري يستقطر المشهد في زجاجة من التكثيف المسرحي، محولاً السماء والمطر إلى ملحمة بصرية بالغة الذروة. إنّ تجميع الأشجار والجبال والمياه والمنازل الذي نسميه منظراً طبيعياً جميلاً، ليس كذلك من تلقاء نفسه بالطبع، وإنما بفضل الفنان، وبفضل إحساسه الخاص، وبالفكرة التي خلعها عليه، أو الشعور الذي ربطه به. وهذا ما يدفعنا للقول إنّ كل رسام للمناظر الطبيعية لا يعرف كيف يترجم شعوراً عبر تجميع النباتات والأحجار ليس بفنان. كما أن المخيلة البشرية بوسعها أن تتصور، للحظة، الطبيعة من دون إنسان، وكل الموجودات المبعثرة في الفضاء من دون متأمل لها يستخلص منها تشبيهاً أو استعارة؛ فالمنظر الطبيعي لا قيمة له إلا بالشعور الذي يسبغه الفنان عليه. وإنّ فهم ثورة الانطباعيين يمر حتماً عبر هذه المختبرات الفنية الأولى، حين تحوّل «الهواء الطلق» من مجرد مكان للرسم، إلى فلسفة لرؤية العالم كما هو، بكل تقلباته الجوية التي تستثير انفعالات الفنان النفسية. كورو؛ الشاعر الذي علّم الفرشاة كيف تتنفس ولد جان باتيست كميل كورو في باريس عام 1796، ونشأ في بيئة تجارية ميسورة، لكن روحه كانت معلقة بحب الطبيعة منذ الصغر. لم يكن كورو متمردًا بالمعنى الصاخب للكلمة، بل كان ثائراً هادئاً، استطاع أن يفكك القيود الفنية الأكاديمية الصارمة من الداخل؛ في وقت كانت الأكاديمية الفرنسية تفرض فيه أن يكون الرسم مثالياً ممسوح الأثر لتظهر اللوحة مثل مرآة صقيلة، وحيث كان المنظر الطبيعي مجرد خلفية ثانوية لقصة ميثولوجية أو دينية. لكن كورو قلب هذه الموازين من خلال ثلاثة تحولات جذرية؛ أولها إعلاء قيمة «الانطباع الأول» (Premiere Impression)، حيث كان يردد دائماً: «لا تفقد أبداً الانطباع الأول الذي حرك مشاعرك». وبدلاً من قضاء أسابيع في إتقان التفاصيل الصغيرة، كان يركز على الكتلة العامة والضوء الكلي للمشهد. هذه السرعة في التنفيذ تركت ضربات الفرشاة ظاهرة على سطح اللوحة، وهو ما اعتبره النقاد قديماً عدم إتقان، بينما رآه الانطباعيون لاحقاً قمة الصدق الفني. أما التحول الثاني فتمثل في التناغم اللوني الناعم؛ إذ تحرر كورو من الألوان الصارخة والخطوط الحادة، وابتكر ما يُعرف بـ «القيمة الضوئية» (Values)، حيث كان يرسم المشهد بتدرجات لونية متقاربة جداً، لا سيما الفضي، الأخضر الزيتوني، والرمادي. هذا التداخل جعل الأشجار تبدو وكأنها تهتز مع الريح، ممهداً الطريق لمونيه لرسم حركة الضوء لاحقاً. ويأتي التحول الثالث في ممارسة الرسم في الهواء الطلق، إذ كان كورو من أوائل الذين حملوا مسند الرسم وخرجوا إلى الغابات والحقول، ليرسم الطبيعة وهي تتنفس أمامه لا من الذاكرة داخل جدران مرسم مغلق، مما أسفر عن كسر جمود الرسم الأكاديمي وجعل اللوحة تنبض بالحياة. ويُقال في الأوساط النقدية إن كورو هو من ضخ «الروح» في اللوحة، بينما جاء تلميذه شانتري ليضخ «الدراما»، ثم جاء مونيه ليضخ «الضوء الخالص». أنطوان شانتري؛ دراما اللحظة المكثفة بينما مال كورو إلى السكينة والضباب الحالم في لوحاته محيطاً الفرشاة بالهدوء، فإن تلميذه النجيب أنطوان شانتري (Antoine Chintreuil) هو من جعل فرشاة الرسم تصرخ بجمال الطبيعة وقسوتها في آن واحد. وكان شانتري (1814-1873) رساماً ومصوراً تشكيلياً فرنسياً تخصص في رسم المناظر الطبيعية، ورغم أنه لم يحظَ بشهرة واسعة مثل معاصريه في حياته، إلا أن تأثيره كان عميقاً في تطوير ممارسة الرسم في الهواء الطلق. وفي مرسم كورو، لم يتعلم تقنيات الرسم فقط، بل تعلم كيف يصطاد الأجواء غير المرئية. ولم يكتفِ شانتري بتقليد هدوء أستاذه الفضي، بل مضى نحو أفقٍ أكثر اضطراباً وذهولاً، وفُتن بتمثيل اللحظات الجوية المحتدمة. وأخذ مفهوم الرسم في الهواء الطلق إلى مستوى جديد من التحدي؛ فلم يكتفِ برسم الغابة في ضوء النهار العادي، بل كان يطارد تلك الثواني القليلة التي تسبق العاصفة، أو اللحظة التي تخترق فيها الشمس حجاب الضباب الكثيف. واشتهر بقدرته الفريدة على التقاط الظواهر الجوية المعقدة مثل ضباب الفجر، الشفق، ووهج الشمس وراء الغيوم، مهتماً بالجو العام للمكان أكثر من التفاصيل الشيئية. لذلك، فإن لوحاته تبتعد عن عفوية الانطباعيين لتقدم مشهداً طبيعياً مكثفاً ومهيباً، وكأن الطبيعة تؤدي دوراً مسرحياً في لحظة ذروة جمالية. إنّ اللحظات التي يصورها أنطوان شانتري تتسم بدفقة درامية عالية تصل أحياناً حد الاستعراض المسرحي؛ فهي بمثابة خلاصة للتجارب البصرية في لحظة واحدة بالغة الذروة، وهذا التكثيف البصري (Distillation) هو السمة المميزة للوحاته، وهو بحق شاعر الطبيعة الذي جسّد الجسر المفقود بين المدرستين الكلاسيكية والانطباعية. وتُعدّ لوحته «الفضاء» (L'Espace) التي رسمها عام 1869 من أعظم روائعه، وهي محفوظة في متحف أورسي بباريس، وتتميز بمساحتها الشاسعة وأفقها المفتوح، حيث ركز فيها على اتساع الطبيعة والسكينة المهيبة، وهي تجسيد مثالي لفكرة تكثيف التجربة البصرية. ورغم أن أعماله الفنية تقع على طرفي نقيض من الأعمال المبكرة للانطباعيين الذين بدؤوا في ذلك الحين باستكشاف رؤية عفوية ومدروسة للضوء وأحوال الطقس اليومية، فإن هناك اختلافات جوهرية تفصله عنهم؛ أولها المسرحة (Theatricality)، فبينما كان الانطباعيون يبحثون عن مشهد عادي أو عفوية الحياة اليومية، كان شانتري يبحث عن المشهد العظيم، فلوحاته ليست مجرد رصد للطبيعة، بل هي تقطير لمشاعر الرهبة أمام اتساع الكون. وثاني هذه الاختلافات هو اللحظة الصامدة؛ إذ رسم الفنان الانطباعي لحظة عابرة ستتغير بعد دقيقة، أما شانتري فرسم لحظة خالدة ومكثفة تجمع في طياتها كل تجارب العين مع الضوء والطقس، ليحبسها على سطح اللوحة بقوة مسرحية. ويأتي الأفق اللانهائي كاختلاف ثالث، حيث اشتهر شانتري بقدرته على رسم مساحات شاسعة بخط أفق منخفض جداً، مما يجعل السماء تبدو وكأنها بطل اللوحة الأوحد، وهي سمة جعلت النقاد يصفون أعماله بأنها بانوراما للروح. وكما مهد كورو الطريق بالنعومة والشفافية، جاء شانتري وملأ ذلك الطريق بالدراما والتكثيف، ليصنعا معاً المنصة التي قفز منها الانطباعيون نحو عالمهم الجديد. وما بين رقة كورو وجرأة شانتري، وُلدت الحداثة الفنية؛ لقد علّمانا أن الطبيعة ليست مجرد أشجار وصخور، بل هي حالة شعورية متغيرة، وأن الفنان الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة لرسم ما يشعر به، لا ما يراه فقط. روائع شانتري في المتاحف العالمية تُعرض أعمال أنطوان شانتري اليوم في أكبر المتاحف العالمية، ويُنظر إليه كفنان سابق لعصره بسبب تجاربه الجريئة في التلاعب بالضوء. وتبرز من بين أعماله لوحة «زخات المطر» (L'Ondee) المرسومة عام 1868، والموجودة في متحف شتيدل بمدينة فرانكفورت الألمانية، حيث يتجلى فيها اهتمامه باللحظات الجوية الدرامية، وكيفية تصوير سقوط المطر في الأفق، والتباين المذهل بين الغيوم الداكنة والضوء المتسلل من بينها، مما يمنح المشهد صبغة مسرحية قوية. أما لوحته الشهيرة «مطر وشمس» (Pluie et soleil) وهي من أواخر أعماله التي خطها عام 1873 وتُعد من المقتنيات الثمينة في متحف أورسي بباريس، فهي ليست مجرد رصد لضوء النهار، بل تكثيف للحظة نادرة يلتقي فيها النقيضان: هطول المطر وسطوع الشمس، مما يخلق تأثيراً بصرياً درامياً وحالماً في آن واحد. وأهم ما يميز هذه اللوحة هو الأفق المنخفض؛ إذ ترك شانتري كعادته المساحة الأكبر للسماء ليعطي شعوراً بعظمة الطبيعة، معبراً عن قدرته المذهلة على رسم شفافية الجو وليس الأشياء المادية فقط، فاللوحة تمنح المشاهد شعوراً ملموساً برطوبة الهواء ودفء الضوء، واستطاع فيها أن يجمع بين رقة المطر وسطوع الضوء في مشهد واحد، يفيض بالسكينة والرهبة معاً، لتكون هذه اللوحة بحق من أجمل ما أبدع في سنواته الأخيرة. ________________ باربيزون: نسبة إلى قرية باربيزون الصغيرة التي تقع على حافة غابة «فونتينبلو» بالقرب من باريس، والتي لجأ إليها الفنانون هرباً من ضجيج الثورة الصناعية وقيود الأكاديمية الصارمة، لتصبح حركتهم الفنية من أهم الحركات التي مهدت الطريق للانطباعية، ونقلت الفن من جدران المراسم المغلقة إلى قلب الطبيعة الخام. * لندن