هل مازلنا نحتاج إلى الحقيقة؟

(1) في مطلع تسعينات القرن الماضي بدا لكثيرين أن مقال جان بودريار المعروف (حرب الخليج لن تقع) استفزازا فكريا أكثر منه تحليلا سياسيا. وقد دارت أسئلتهم حول الإمكانية المتاحة لمفكر ينكر حربا تقصف فيها الطائرات، وتنطلق الصواريخ، ويموت الجنود، والعالم كله يتابع ذلك لحظة بلحظة. لكن جان بودريار لم يكن ينكر وقائع حرب الخليج العسكرية، ولم يكن يدعي أن القنابل لم تنفجر أو أن المدن العراقية لم تُقصف. ما كان ينكره هو شيء آخر أعمق من ذلك؛ فهو ينكر أن تكون تلك الوقائع هي ما نسميه نحن الحرب. فقد رأى أن الحرب، بوصفها حدثا تاريخيا مباشرا، قد اختفت داخل نظام جديد من الصور والتمثيلات والإنتاج الإعلامي. فالبشر لم يعيشوا الحرب، بل عاشوا صورتها. ولم يتلقوا ما حدث كما وقع، بل كما صاغته الشاشات، وكما أعاد الإعلام إنتاجه وتحويله إلى عرض عالمي متواصل. ربما بدت الفكرة في ذلك الوقت مبالغة؛ بالأحرى لنقل مبالغة فلسفية. غير أن العالم الذي وصفه بودريار آنذاك لم يكن قد اكتمل بعد. فوسائل الإعلام في تلك المرحلة كانت تعتمد على القنوات الفضائية والبث التلفزيوني، وصناعة الصورة كانت محكومة بمؤسسات إعلامية كبرى مركزية. أما اليوم فقد تبدلت البنية الإعلامية كلها. فلم تعد الصورة تنقل الواقع، بل أصبحت هي البيئة التي يتكون فيها الواقع. ولم تعد وسائل الإعلام وسيطا بين الحدث والجمهور، بل أصبحت أحد الشروط التي تجعل الحدث ممكنا أصلًا. من هذا المنظور؛ إذا كانت حرب الخليج آنذاك محاكاة كما وصفها بودريار فإن وسائل التواصل الاجتماعي في مرحلة الحرب الحالية قد أضافت طبقة جديدة من المحاكاة؛ فملايين الناس الآن لم يعودوا مجرد متلقين للأحداث كما كانوا آنذاك، بل أصبحوا الآن منتجين ومحررين ومفسرين في الوقت نفسه. ثم أضاف الذكاء الاصطناعي مستوى كثر جذرية، إذ لم يعد إنتاج الصور يحتاج إلى واقعة أصلا؛ إذ أصبح بإمكان البشر أن يولدوا حدثا كاملا، بوجوهه وأصواته وخلفياته وانفعالاته، دون أن يكون قد وقع في العالم الخارجي. أمام حالة كهذه لم يعد السؤال التقليدي زمن بودريار عن حقيقة الصورة أم زيفها سؤالا كافيا. فالصورة، سواء كانت صحيحة أم مولدة بالكامل، تستطيع الآن أن تُحدث أثرا سياسيا ونفسيا واجتماعيا قبل أن يبدأ أحد بالتحقق منها. فالحقيقة لم تعد شرطا للتأثير؛ بل أصبح التأثير يسبق الحقيقة. ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك مقطع الفيديو الذي انتشر في الأيام الأولى من الحرب الحالية، ويُظهر اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فالمقطع لا يوثق حدثا وقع، بل كان مُولدا بالذكاء الاصطناعي. وكما نعرف انتشر المقطع عبر المنصات الرقمية، وأثار موجة واسعة من التعليقات والتكهنات ومحاولات التحقق. ولم تكن أهميته في زيفه، بل في أن تأثيره سبق كشف زيفه. فقد استطاع، ولو لساعات، أن يحتل الوعي العام، وأن يفرض نفسه بوصفه حدثا يستحق النقاش والتفاعل، رغم أنه لم يكن يحيل إلى أي واقعة. وهنا تتجلى أهم مفارقات عصر المحاكاة؛ فالصورة لا تستمد فاعليتها من مطابقتها للواقع، بل من قدرتها على إنتاج آثار واقعية مستقلة عن أي أصل واقعي.وهنا يتحقق ما كان بودريار يلمح إليه قبل أكثر من ثلاثة عقود؛ فالمحاكاة لم تعد تقلد الواقع، بل أصبحت تنافسه، وفي كثير من الأحيان، تستغني عنه تماما. (2) إذا كان ذلك كذلك، فهل يمكن أن نقول اليوم، محاكين منطق بودريار، إن حرب الخليج لم تقع وليس لن تقع؟ ستبدو العبارة، للوهلة الأولى، عبثية أو استفزازية. فالحرب وقعت فعلا، والصواريخ انطلقت فعلا، والناس يموتون فعلا. لكن هذا الاعتراض يفترض أن الحرب تعني ما كانت تعنيه في الأزمنة السابقة. وهنا تكمن المشكلة. فالقضية ليست أن الحرب لم تقع، بل أن معنى الحرب قد تغير. فالحرب الكلاسيكية كانت حدثا استثنائيا يقطع الزمن السياسي إلى مرحلتين: ما قبل الحرب وما بعدها. هناك بداية واضحة للحرب، وجبهة واضحة، ونهاية يمكن الإعلان عنها. وتُقاس القوة بما تستطيع الجيوش أن تفرضه على الأرض. أما اليوم فالحرب لم تعد لحظة استثنائية، بل أصبحت حالة دائمة. لا تبدأ بإطلاق النار، ولا الإعلان عن قيامها؛ لأن التهديد يكون قد سبق إطلاق النار بسنوات. ولا تنتهي الحرب بوقف إطلاق النار، لأن العقوبات والحصار والردع والحرب السيبرانية والحرب الاقتصادية وحرب المعلومات تستمر بلا نهاية. يعني هذا أن الحرب تحولت من حدث إلى بنية. فالخليج العربي مثلا يعيش الحرب منذ زمن طويل، حتى في أكثر لحظاته هدوءا؛ لأن التحرك فيه يتحول إلى حدث عالمي، والتصريح السياسي المتعلق به يصبح مادة لساعات طويلة من التحليل. والمناورة العسكرية القريبة منه تتحول إلى سيناريوهات لا تنتهي. وأي صورة لقاذفة أو حاملة طائرات متجهة إليه تدخل فورا في الاقتصاد العالمي، فتتحرك أسعار النفط، وترتفع أسهم شركات السلاح. الخليج العربي في النظام العالمي المعاصر، ليس مجرد مساحة جغرافية، بل جهاز لإنتاج الاحتمال. لا تنبع قيمته الاستراتيجية مما يحدث فيه فقط، بل مما يمكن أن يحدث فيه. توتره أصبح، في كثير من الأحيان، أكثر إنتاجية من انفجاره. فالحرب الفعلية تحمل دائما مخاطر يصعب التحكم بها، بينما الحرب المؤجلة تنتج أرباحا مستمرة. وفي الخليج يدر الردع أرباحا، ويرفق القلق أسعار الطاقة، ويعيد الغموض تشكيل التحالفات، ويوفر الانتظار مادة لا تنضب للإعلام. ومنذ اكتشاف النفط في منطقة الخليج، وتدفقه إلى العالم أصبح استمرار احتمال (كلمة احتمال هما مهمة) الحرب أكثر فائدة للقوى الدولية من وقوعها الكامل. ليس لأنها ترى العالم أكثر سلما، بل لأنها تعلمت كيف تستثمر في التهديد نفسه. لم تتغير الحرب فقط، بل تغيرت معها طبيعة القوة. فلم تعد تقاس بترسانة الأسلحة، بل أكثر من ذلك بكثير تقاس بقدرة الدولة على إنتاج الرواية التي يصدقها العالم. فالصاروخ يؤدي وظيفة عسكرية، لكن الأشد تأثيرا هو وظيفته الإعلامية. لم تعد حاملة الطائرات مجرد منصة قتال؛ بل تحولت إلى صورة سياسية عائمة. ولم تعد المناورات العسكرية استعدادا للحرب فقط، بل أصبحت رسائل بصرية موجهة إلى الأسواق والحلفاء والخصوم والرأي العام. وعلى الضد من القوة القديمة تنتج القوة الحديثة علامات أكثر من المعارك. يدور الصراع الحقيقي في عالمنا اليوم حول تفسير الحدث، وليس حول الحدث ذاته. حول من يحدد معنى الحدث، وحول من يمنحه اسمه. وأكثر من ذلك حول من يقنع العالم بأنه انتصر. فالجيوش لم تعد تتنافس بل تتنافس السرديات. قد تسقط الصواريخ بالفعل. وقد تدمر المنشآت. وقد يموت البشر الحقيقيون. لكن هذه الوقائع، على فداحتها، لا تجعل الحرب محتفظة بمعناها القديم؛ لأن الحدث قد استهلك إعلاميا قبل وقوعه. وانتشرت الصورة قبل أن يكتمل. وشُرحت نتائج السيناريوهات قبل أن تظهر. وما سيعيشه العالم افترض عيشه عشرات المرات في عالم افتراضي قبل أن يعيشه مرة واحدة على الأرض. أصبح الواقع نفسه متأخرا عن صورته. لم يعد ينتج التمثيل، بل يأتي لكي يمنح التمثيل قدرا من الشرعية؛ كما لو أن الصورة لم تعد تحتاج إلى الواقع إلا بوصفه هامشا صغيرا يؤكد ما أعلنته سلفا. لهذا، فإن عبارة حرب الخليج لن تقع التي بدت لأول وهلة مفارقة ليست مفارقة كاملة. فهي لم تقع بوصفها حربا بالمعنى الذي عرفه التاريخ؛ ولم تكن حدثا يفاجئ العالم ويقطع مجرى الزمن ويعيد ترتيب السياسة بعد انتهائه. ما وقع، وما يزال يقع، وما سيقع هو شيء آخر؛ شبكة لا تنتهي من التوقعات. هناك اقتصاد كامل يقوم على الخوف. وهناك سوق عالمية تستهلك احتمالات الحرب كما كانت تستهلك الحروب نفسها. هناك صور تنتج واقعها الخاص، ثم تبحث بعد ذلك عن وقائع تؤكد واقعها الخاص. وربما يكون هذا هو التحول الأكبر الذي أراد بودريار أن يكشفه؛ أي أن الحرب، في عصر المحاكاة، لا تختفي لأنها أصبحت مستحيلة، وإنما لأنها أصبحت موجودة على الدوام، ولكن في صورة شبح لا يتوقف عن الدوران بين الشاشات والأسواق والخوارزميات، حتى يغدو حضوره الرمزي أكثر دواما وتأثيرا من حضوره المادي نفسه. (3) إنني أكتب الآن وأتساءل عما يمكن أن يقوله مارتن هايدغر فيما لو رأى التقنية الآن؛ وقد تجاوزت كونها مجرد أداة، لتصبح بيئة شاملة يسكنها الإنسان ولا يستطيع مغادرتها. لقد كان يحذر من أن التقنية ليست آلات، بل طريقة في انكشاف العالم، تجعل كل موجود يُختزل إلى مورد قابل للحساب والاستثمار. وربما كان سيجد في الذكاء الاصطناعي ذروة هذا الانكشاف؛ حيث لا يعود الإنسان نفسه سوى بيانات قابلة للمعالجة، ولا الفكر سوى نموذج يمكن تدريبه، ولا اللغة سوى مادة تُولَّد وتُعاد صياغتها بلا نهاية. أتساءل عما يمكن أن يقوله ميشيل فوكو لو رأى أن السلطة الآن تحررت من السجون والمؤسسات، وانتقلت إلى الخوارزميات والمنصات الرقمية. ربما كان محقا آنذاك حين كشف فوكو أن السلطة الحديثة لا تُمارس بالقمع وحده، بل بإنتاج المعرفة، وتصنيف الأفراد، ومراقبتهم، وصناعة ذواتهم. أما اليوم، فإن الخوارزمية لا تراقب الإنسان ولا تقمعه، فقط، بل أكثر من ذاك تتنبأ بسلوكه، وتعيد توجيه رغباته، وتقترح عليه ما يقرأ وما يشاهد وما يشتري، حتى غدت السلطة أقل ظهورا وأكثر حضورا، وأقل عنفا وأكثر نفاذا. ربما يكون جان بودريار المفكر الذي سيندهش أكثر من هايدجر وفوكو لو عاد إلى عالمنا. فقد كتب عن المحاكاة حين كانت الصورة ما تزال تحتاج إلى واقع تحاكيه، أما اليوم فقد أصبح الواقع نفسه ينتظر الصورة لكي تمنحه معناه. لم تعد المحاكاة تمثل العالم، بل أصبحت تُنتجه. ولم تعد النسخة تقلد الأصل، لأن الأصل نفسه يغدو، شيئا فشيئا، أثرا متأخرا لنسخته الرقمية. لقد انتقلنا من عصر تمثيل الواقع إلى عصر تصنيع الواقع، ومن اقتصاد الأشياء إلى اقتصاد العلامات، ومن الحقيقة إلى قابلية التداول. ما أفكر فيه لا يتعلق بماهية الحقيقة، ولا كيف نعرفها، أو نتأكد منها، ولا من ينتجها؛ ما أفكر فيه يتعلق أثلا بما إذا كنا نحتاج الحقيقة؛ فالمحاكاة قادرة على أداء كل وظائفها. إنه لعالم غريب؛ هذا العالم الذي أصبحت فيه النسخة أهم من الأصل، والتأثر أهم من الصدق، والتداول أهم من التحقق.