الاعتذار
لم يتفق الناس على شيء اتفاقهم بأن الاعتذار من شيم الرجال وفعلهم. وما نحن بنو البشر إلا ضحايا الأنفة والمكابرة. نعلم بأن الخطأ وارد ومحتمل ثم نكابر عن الاعتذار منه، بل نتردد في فعل ذلك أحيانا. قلّة - قليلة- من يعي ويحقق مفهوم هذه الفضيلة في هذا الزمن.الاعتذار الصادق لا يجرد صاحبه من الكرامة ، بل يلبسه ثوب التقدير وينزله منزلة العظماء. يعد اعتذار الرجل شجاعة تجلّت في لحظة ضعف وندم مرت به. إن التأسف بعد وقوع الهفوة أو حينما نخطئ التقدير في قرار أو خيار لاينقص من قدرنا ، بل يزيدنا احتراما وإكبارا في عيون العارفين. وما الاعتذار إلا اعتراف بعد تقصير؛ يحد من تفاقم الاختلاف ويعيد مياه التآخي لمجاريها، فكم من اعتذار بدّد خصومة وانهى عداوة وأعاد التوافق بعد التناحر، والألفة بعد الفرقة. يعتبر الاعتذار أول خطوات التصالح ومن عفى وأصلح فأجره على الله. المبادرة بالاعتذار خلق رفيع وسلوك سامي ودرس إنساني تعلمناه في مدرسة الأبوين : «آدم وحواء» عندما قدما أعظم اعتذار عرفته البشرية فقالا: { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} سورة الأعراف. لذلك كانا النموذج الأسمى لكل معتذر. المعتذرون عادة عرفوا معنى الراحة وموضع السعادة؛ فما باتت اعتذاراتهم لمجرد التجربة ولا من باب التصنع،بل إنها معايشة وممارسة حياتية و طبيعية أراحت وأزاحت عن صدورهم تبعات ومتاعب الزلل والخطأ. لا شك أن المجتمع الذي ارتفع فيه منسوب قيمة الاعتذار والتسامح مجتمع لا يغرق -البتة- في أودية الجهل والتعصب ؛ لأنه باختصار مجتمع يتدفق رقيّا ويفيض حضارة.