قراءة نقدية في مسرحية «دانة يا نهّام».
تفتتح مسرحية « دانة يا نهّام» التي من تأليف صالح زمانان وإخراج وسينوغرافيا راشد الورثان، باستعراض بصري يجسد أمنية البطلين، يوسف ودانة، في أن يتوج حبهما بالزواج، ليشكل هذا المشهد المدخل العاطفي الذي تنطلق منه البنية الدرامية. ينتقل العرض بعد ذلك إلى طقس احتفالي، تقف العروس في مركز الخشبة، يحيط بها أهلها وصديقاتها في رقصة احتفالية في أثناء ذلك يدخل رجل إلى الخشبة ثم يتشكل حاجز بشري من الراقصين ممسكين قطعة قماش تتحرك بانسيابية تجسد أمواج البحر، في تشكيل بصري يحمل دلالة رمزية واضحة إذ يصبح البحر عائقًا يفصل بين يوسف ودانة ويؤسس للصراع الدرامي الذي ينتقل فيه المشهد من حالة استقرار إلى الخطر، إي بداية الصراع الفعلية. يتصاعد الصراع الدرامي من خلال المواجهة الحوارية بين والد دانة كبير النهامين، ويوسف ووالدته، إذ يشترط الأب للموافقة على الزواج أن يجلب يوسف «لؤلؤة الدانة» من أعماق البحر، وهي من أندر أنواع اللؤلؤ، يزيد الشرط من حدة الصراع ويضيف عقبة جديدة أمام تحقيق رغبة البطلين في الزواج كما يكشف هذا الحدث عدة دلالات يمكن قراءتها على المستوى الدرامي على أنها عقبة واختبار أمام البطل لإثبات استحقاقه لدانة. ويمكن قراءتها على المستوى الرمزي على أن الزواج من ذات المكانة الاجتماعية يتطلب امتلاك مادي عالي القيمة، فلا يكفي الحب للزواج. وعلى المستوى الاجتماعي يكشف هيمنة سلطة الأب على قرار الزواج. قدم العرض المسرحي كذلك لوحة استعراضية تجسد البحر وتحولاته، موظفًا الحركة الجماعية والإيقاع البصري للتعبير عن اضطرابه وتقلباته، ويتداخل مع هذا التشكيل صراع إنساني يتمثل في فتاة تحاصرها مجموعة من الراقصين في صورة تجسد حالة العجز الذي تعيشه دانه وانعكاساً للقيود الاجتماعية التي فرضت عليها فهي غير قادرة على اتخذ القرار بالزواج ممن تحب ولم تعط الفرصة بإبداء رأيها. وفي محاولة والدة يوسف ثنيه عن الدخول للبحر والبحث عن الدانة مستحضرةً مصير والده، النهام السابق، الذي ابتلعه البحر تسترجع حدثًا من الماضي ليؤثر في الحاضر ويعمق البعد النفسي للشخصية ويثير تساؤلًاً درامياً حول ما إذا كان يوسف سيكون مصيرة مثل والده أم سينجح في تحقيق هدفه والعودة باللؤلؤة. في مشهد آخر صباحًا على شاطئ البحر يستعد البحارة للبداية رحلتهم البحرية، وينضم يوسف إلى رحلة يقودها النوخذة أبو علي في انتقال درامي يمهد لمرحلة جديدة من الأحداث تنتقل من مرحلة القول إلى الفعل لتحقيق الهدف وتذليل الصعاب. يتخلل العرض عدد من لوحات فن النهام التي تؤدي وظيفة بنائية تتجاوز الجانب التراثي، إلى كونها تعبر عن مشاعر البحارة وآمالهم ومخاوفهم، وعن لجوئهم إلى الابتهال والدعاء طلبًا للحفظ والنجاة في مواجهة أخطار البحر، مما يعزز الهوية الثقافية للعمل ويمنحه بعدًا وجدانيًا وإنسانيًا.بعد ذلك يصل العرض إلى المرور الزمني الذي قبل أن يبلغ الصراع ذروته باندلاع عاصفة بحرية عنيفة تؤدي إلى تخبط سفينة النوخذة أبو علي، في نقطة تحول مفصلية تنقل الأحداث إلى مرحلة جديدة من التصعيد الدرامي، وتبقي مصير البحارة مجهولاً فيعيد السؤال لدى المتلقي هل سينجو يوسف أم لا؟يتحول الفضاء المسرحي إلى منزل دانة، حيث تظهر حبيسة المنزل تطل من النافذة مترقبة أخبار يوسف ومتسائلة عن مصيره، يعكس المشهد حالة الانتظار والقلق التي تعيشها الشخصية، كما توظف النافذة بوصفها عنصرًا سينوغرافيًا ذا دلالة رمزية، فهي تفصل بين الداخل والخارج، وبين العجز عن الفعل والتطلع إلى تحقق الأمل. ويعود النهام في مشهد آخر مؤديًا أغانٍ تتمحور حول الدموع والفراق، ليؤدي بذلك وظيفة الراوي الغنائي الذي يوازي تطور الحدث الدرامي للعرض المسرحي ويمنحه بعدًا وجدانيًا، ولترسيخ حضور فن النهام بوصفه مكونًا بنائيًا في العرض المسرحي. ويعقب ذلك لوحة استعراضية يؤديها الأطفال على أنغام أغنية «توب يا بحر» في مشهد يجسد عتاب أهل البحر للبحر واستعطافه لإعادة أبنائهم الذين غرقوا في رحلات الغوص، فتكتسب هذه اللوحة بعدًا إنسانيًا مؤثرًا من خلال الجمع بين براءة الأطفال وقسوة البحر، بما يعزز البعد العاطفي في العرض المسرحي. هذا الهدوء ينكسر بدخول مفاجئ ذي طابع مهيب يصور تجسد العاصفة وصراعها مع أهل البحارة المنتظرين على الساحل عودة أبنائهم من رحلة الغوص يؤثر هذا الانتقال الحاد في الإيقاع المسرحي في تصعيد التوتر الدرامي مجسدًا الصراع بين الإنسان وقوى الطبيعة، وما يرافقه من خوف وترقب. وتبلغ الأحداث مرحلة الانفراج الدرامي عند عودة البحارة سالمين بعد توقف العاصفة فيستقبلهم أهلهم بفرح غامر يعيد الحياة إلى الفضاء المسرحي بعد أجواء القلق والانتظار. وحصول يوسف على الدانة التي يبحث عنها محققًا بذلك الشرط الذي وضعه والد دانة لينتهي الصراع بتحقق الغايتين معًا؛ الفوز بالدرة النادرة والفوز بدانة الحبيبة. تأتي النهاية لتؤكد انتصار الإصرار والمثابرة على الصعاب، ولتغلق الدائرة الدرامية التي انطلقت من حلم الزواج وانتهت بتحققه، في بناء يجمع بين البعد التراثي والبعد الإنساني. إذن تكشف السينوغرافيا جماليات في تشكيل الفضاء البصري وتتجاوز ذلك لتصبح لغة موازية للفعل الدرامي. فمن البحر الذي تشكل كحاجز رمزي بين الحبيبين، إلى التكوينات الحركية التي تجسد الاضطراب والقيد، وصولاً إلى النافذة التي اختزلت حالة الانتظار والعجز، فنجح العرض في توظيف العناصر البصرية باعتبارها حوامل دلالية لذلك السينوغرافيا هنا هي إطار للحدث وشريك في إنتاج المعنى يساهم في تعميق الصراع ويمنح التجربة المسرحية بعدها الإنساني والجمالي. *ماجستير في الأدب المسرحي.