في فيلم « يوم العزاء الأول » ..

حياة كاملة في يوم واحد.

تبدأ الحقيقة غالبًا بما لا يقال. وترى (حنة آرندت) في كتابها “بين الماضي والمستقبل” أن أخطر ما يهدد الحقيقة ليس الكذب, بل الصمت المنظم الذي يحيط بها ويؤخر انكشافها. ورغم أن آرندت تناقش هذه الجملة في سياق سياسي, إلا أنها تمتد بسهولة إلى الواقع الاجتماعي وتمتد إلى العلاقات الإنسانية أيضا. يضعنا فيلم “يوم العزاء الأول “ للمخرج نواف الحوشان والذي عرض للمرة الأولى في مهرجان أفلام السعودية في دورته الثانية عشر داخل هذا التصور ذاته, حيث يبدأ الفيلم بسلاسة تصويرية مريحة رغم ثقل المشهد الذي يمثل عائلة تستقبل خبر موت ابنها وتستعد للعزاء, ويضفي كاركتر الأب المتوتر الذي أداه بإنضباط متقن الفنان (أسامة القس) والإضاءة الهادئة التي تعكسها النافذة على المكان جوًا مشبعا بالخسارة مناسب للموقف وتؤسس مع شخصية الأب حزنًا صامتًا ومشحونًا دون مبالغة. ويغلب هذا الطابع على أغلب كادرات الفيلم فتبدو المساحات ضيقة تخدم الحالة النفسية العامة للشخصيات (غرفة العزاء, الممرات, البيت) لا تمنحك فسحة للهروب, وحتى مع حركة الكاميرا فهي لا تمنح شعور بالتحرر قدر ما تضفي وتزيد الإحساس بالإخنناق. ويتحرك الفيلم بإيقاع بطيء هاديء يخدم هذا الاختناق, فبينما يشتغل الفيلم على حقيقة ناقصة تدعو للتقصي وتجذب المشاهد نحو الكشف المخفي للحدث المرتقب, يتجه الفيلم في حقيقته نحو ثقله الفلسفي مبتعدا في النهاية عن السؤال الاستقصائي الذي انطلق منه وهو : كيف مات الإبن؟ فهو بالمقابل لا يقع في فخ الإسراع نحو النهاية مجاريا قصر الوقت, وتبدو جليا الثقة في الصمت والنظرات التي تستغني عن الحوار وتضفي المزيد من الترقب والشك في انطلاقها نحو معرفة الحقيقة. يمارس الفيلم في تقدمه نوعا من خداع التوقعات, ففي كل سؤال وإجابة يقترب منها الأب, لا تقوده لحل لغز الوفاة فقط ولكنها تدفعه أيضا نحو اكتشافات صادمة لأسئلة أعمق تشي بنتائج غيابه عن عائلته, فالوفاة كانت البوابة التي فتحت عينيه أمام أحداث من الماضي ليعيد تحليلها وفهمها على ضوء أجوبة الحاضر واكتشافاته فيتحول التحقيق تدريجيا من تحقيق في حادثة لحظية إلى تحقيق في حياة كاملة. يستخدم المخرج المفاجأة كوسيلة للانتقال من فضول الحكاية إلى قلق الفكرة والعودة لأسباب حدوثها وهذه نقلة نادرة سهلة ممتنعة لا يستخدم فيها الرموزولا الايحاءات وإنما يقلب المعادلة عبر تسلسل المشهد وتنقله ببساطة آخاذة واستخدام الصدمة كمفتاح للأسئلة الأخلاقية والإنسانية دون جهد. بالمقابل يضعنا (أسامة القس) داخل كاركتر الأب أمام شخصية متقنة الصنع بعيدة عن الاعتياد الدرامي الذي يطبع مثل هذه المواقف بالبكاء والانهيار، وكأن صدق الفقد لا يكتمل إلا بإعلان الدموع. مقاومة الفيلم لهذا التصور يمنح الأب مساحة أصدق، رجلًا يحمل حزنه في تردده، وفي صمته، وفي عجزه عن فهم ماجرى وهو ما ماينسجم مع صورة الأب في كثير من البيئات العربية التي لايربى فيها الرجل على إظهار انكساره. فيظل بكاء الأب حدثًا استثنائيًا في ذاكرة أبنائه، وهو الإرث الاجتماعي الذي يستفيد منه الفيلم في صقل الشخصية وواقعيتها فلايدفع الشخصية للإنهيار، تاركًا الحزن يتسرب عبر الصمت والنظرات المرتبكة، فالشخصية لا تطلب تعاطف المشاهد ولا تستدر عطفه بأي طريقة, وهذا خيار جيد بالنسبة للحدث وينسجم مع رؤية الفيلم ككل, فهذا المطب يفسح المجال للبعد الحاصل داخل العائلة وكأن شخصية الأب تحتفظ بالمسافة التي خلفها الغياب, والتي جعلته لا يعرف كيف يدخل بيتا تركه منذ زمن ولا يعرف خفاياه وهذا ما يمنح شعور الانكسار المخفي بعدا أعمق وأكثرصدقا. يمضي الأب نحو شكه بالمعلومة الغائبة أو المؤجلة ومع كل انكشاف تتغير قراءة الأب للماضي, وتنكشف للمشاهد طبقات من العلاقة بين الأم والأبناء. ونمضي نحن نحو تأويلاتنا. يتجاوز الفيلم قراءة الحقيقة كمعلومة إلى ضرورة معرفتها أو السكوت عنها ويفتح لنا أبوابا عنها داخل الواقع والمجتمع وما يقاس عليه قولها وإخفاؤها أو الصمت عنها, ويسمح من خلال نهايته بقراءات متعددة دون أن يفقد تماسكه, فالبوابة التي حددها للدخول تتفرع, فالحقيقة هنا عبء. لا تعيد معرفتها حياة الابن , ولا تمنح الأب فرصة ثانية, ولكنها تجبره على إعادة قراءة حياته كلها من منظور جديد, وتوسع النهاية مساحة السؤال عندما يتقمص الأب أيضا حقيقته الواهمة عن موت أبنه أمام المعزين, فيصبح مجتمع كامل يخفي الحقيقة المؤلمة تباعا حتى تضيع, فالحقيقة هنا ليست متغيرة ومتحولة وإنما معرفتنا بها موزعة إذ لا يمكن أن يمتلكها أحد كاملة. وهي ليست سؤالا نهائيا فالحقيقة في الفيلم ليست جوابا جاهزا وإنما تحولات مقسمة بين شخصياته حيث تتوزع حقيقة موت الأبن بين (الأم, الأخت, الأخوة, الأب), ومع هذا الانقسام تغدو الحقيقة أشبه بفسيفساء لا تظهر صورتها إلا إذا اجتمعت شظاياها. وهو ما يعيدنا للفكرة الأولى كما تشير آرندت ليصبح الصمت القوة التي تؤخر أكتشاف الحقيقة. فنانة بصرية وكاتبة *