حكاية “سي السيّد”.

تميّزتْ شخصيّة “سي السيّد” بصِفاتٍ فريدة تُعبّر عن ملامح شرقيّة تعود إلى مطلع القرن العشرين، حيث تُصوّر رجُلاً يرتدي الزّي التقليدي في ذلك الزمان؛ والمكوّن من الجلباب والقُفطان والطربوش والشارب الضخم، وهو الأب الصارم والزوج المُستبدّ، وفي الوقت نفسه المُعيل المسئول عن البيت، وصاحب الحضور الاجتماعي الجذّاب في مُحيط عمله ورفقة أصدقائه. وقد تمثّلتْ هذه الشخصية في هيئة السيّد “أحمد عبدالجواد”؛ أحد أبرز شخصيات رواية “بين القصرين” التي ابتكرها الأستاذ “نجيب محفوظ” في ثُلاثيّته، التي تُعتبر أبرز وأشهر أعمال الروائي الكبير. وتكمُن قوّة شخصيّة “سي السيّد” في أنها جمعتْ بين مُتناقضات حادّة، وقد أسهم هذا البناء الدرامي المُركّب في تحويله إلى رمزٍ ثقافي واسع التأثير، وجدَ فيه كثيرٌ من القُرّاء انعكاساً لصراعات إنسانية واجتماعية حقيقية، تتجاوز حدود الرواية التي ظهرت في أواخر الخمسينيات الميلادية. ولم يكُن تحليل هذه الشخصية في الرواية قاصراً على الأدباء والمُثقّفين والنُقّاد، وإنما قام الناس بتحليلها على مدار سنوات طويلة، بعد هذا التأثير القويّ الذي تركته الرواية في الشارع العربي، وخاصّة بعد تجسيدها سينمائياً وتلفزيونياً. لم يكُن السيّد في الرواية مرهوباً مُخيفاً إلا بين أهله، أما بين سائر الناس من أصدقاء ومعارف فهو شخصٌ آخر؛ لهُ حظّه الموفور من المهابة والاحترام، ولكنه شخصيّة محبوبة لظُرفها قبل أيّ من سجاياها الحميدة الكثيرة.. فلا الناس يعرفون السيّد الذي يُقيم في بيته، ولا أهل البيت يعرفون السيّد الذي يعيش بين الناس! لقد كان السيّد مُرعباً في بيته كما ذكرنا، فلو نَدّ عن زوجته “الستّ أمينة” ما يُثير غضَبهُ من غير قصدٍ، فعليها أن تُغادر الحُجرة فوراً ولا تعود إليها إلا إذا دعاها، فقد علّمتها التجربة أن مكثُها بين يديه حال الغضب، ثم سعيها إلى تسكينه برقيق الكلام، لا يزيد النار إلا استعاراً! إن المجهول بالنسبة إلى الناس جميعاً هو عالَم الغيب، ولكن المجهول بالقياس إلى “الستّ أمينة” وحدها هو “القاهرة”، بل الأحياء المُتاخمة لمنزلها والتي تترامى إليها أصواتها.. تُرى ما هذه الدّنيا التي لم ترَ منها إلا المآذن والأسطح القريبة!؟ كما أن جنون العظَمة يتبدّى في تفكير السيّد، الذي لا يرى سوى نفسه كأولويّةٍ أولى في حياة أهل بيته، فيقول: “لا أُريد أن أُعطي ابنتي لأحدٍ يُثير الشُّبهات حول سُمعتي، بل لن تنتقل ابنتي إلى بيت رجُلٍ، إلا إذا ثبت لديّ أن دافعه الأول إلى الزواج منها هو رغبته الخاصّة في مُصاهرتي أنا..”! وحتى أثناء حفل زواج ابنته، حين لا يرضى أن ينشر رقابته فوق أهل بيته في يومٍ خالص السرور، فهو لا يُطيق من ناحيةٍ أُخرى أن يشهد عن كثبٍ انطلاقهم مع دواعي البهجة، ولم يكُن أكره لديه من أن يرى بينهم هذا الانشراح، على غير ما عهدوا من وقارٍ صارم.. ولو كان الأمر بيده لتمّ الزفاف في صمتٍ شامل! هذه أمثلة لما يحدث داخل البيت، أما خارجه فشخصيّة السيّد مُختلفة تماماً، فهو رجُل الأُنس والفرفشة وزهرة مجالسها، وصاحب اللسان اللاذع الذي يُبدع في تأليف النّكت والقفشات الضاحكة. فعند منتصف الليل استيقظت الستّ أمينة، كما اعتادت أن تستيقظ في هذا الوقت من كلّ ليلة، وهو وقت عودة زوجها من سهرته مع أصدقائه، وترامى إلى مسامعها وقعُ سنابك جواد “حنطور” أحد أصدقائه، يوصله بعد السهرة إلى بيته. وقف الحنطور أمام البيت، وارتفع صوت زوجها تُنصت إليه وهو يقول في نبراتٍ ضاحكة: “أستودعكم الله”.. وكانت تستمع إلى صوت زوجها في دهشة، فما عهدت منه هي وأبناؤها إلا الحزم والوقار، فمن أين له بهذه الروح المرحة؟ وكأنما صاحب الحنطور أراد أن يُمازحه فقال للسيّد: “أما سمعتَ ماذا قال الجواد لنفسه بعد نزولك من العربة؟ قال إنه من المؤسف أن أوصل هذا الرجل كل ليلة إلى بيته، وهو لا يستحق أن يركب إلا حماراً”! وانفجر الرجال بالعربة ومعهم السيّد ضاحكين. ولم يكُن السيّد يقصر لُطفه وأريحيّته على أصدقائه المُقرّبين فقط، بل على كلّ من حوله؛ فحين يتساهل في متجره في قبض قيمة بضاعة اشترتها إحدى الزبائن، وبعد أن غادرت شاكرةً، قال وكيله “الحمزاوي”: “كيف يُمكن أن يُسدَّد هذا الحساب”؟ فألقى السيّد على وكيله نظرةٍ باسمة، وقال: “أكتب مكان الأرقام: بضائع أتلفها الهوى”! وختاماً، فهل اختفتْ شخصيّة “سي السيّد” من المجتمع مع تغيّر الزمن، وتحوُّلها إلى رمزِ يستخدمه دُعاة حقوق المرأة للتنديد بالرّجُل الشرقي المُستبدّ، وأن هذه الشخصية غيرّت فقط من لباسها التقليدي وارتدت بدلةً حديثة وربطة عُنق أنيقة!؟