“ بكى حين غنى الحمام “

.. ورقة من سيرة الـ “ بَرَجون “ .. بكى حين غنّى الحمامْ وكانت شبابيكُنا لا تنامْ : تركنا على دكةِ الريحِ فنجانَنا وحدَهُ شاهدًا، كيف تفنى المدينةُ وهمًا، ونبقى ظلالًا على مقعدَيْنِ نغنّي، ونشربُ أحلامَنا وطنًا، نجمةً في كؤوسِ الظلامْ. وكانت تمرُّ الظباءُ بشارعِنا، والأغاني تسيلُ بدفءِ الأزقّةِ، نُصغي لصمتِ الحجارةِ كيف تُخبىءُ أحلامَنا في الشقوقِ كفرخِ اليمام .. فيا بَرَجُونًا تراقصَ في خلَجَاتِ جيوبِ صِبانا نجومًا ، تصلصلُ في راحةِ الطينِ بين يدينا الكواكبُ زُرْقًا تضيءُ ونحنُ بوادي البشامِ نلوذُ بظلِّ البشام ………… ضحكْنا .. ولمَّا انحدرنا على دَرَجِ الريحِ ، ماذا التقطنا من الوقتِ إلا صدًى من غيابٍ حطام ؟ هو الشكُّ حين يُضيءُ الظلامْ يُربّي الهشاشةَ فينا ؛ لنُدركَ أنَّ اليقينَ يجوبُ فضاءَ المدى طائرًا ويطوفُ بدمعِ القصيدةِ، يشربُ حبرَ الكلامْ وفي العابرينَ ليالي المرايا تُعيدُ الغريبَ إلينا، وتزرعُنا في الجهاتِ ارتحالًا جريحًا تناثرَ في ظلماتِ الغمامْ - فما نحنُ؟ - نحن جراحٌ تربِّي سؤالًا تناسلَ، يحفرُ في الماءِ أوجاعَهُ ! كم يا زمانُ أدرْنا المداريهَ عمرًا ، وفي القلبِ يهمسُ من أضلعي نورسٌ من حريقٍ يُفتِّشُ عن شاطئٍ في القصيدةِ، عن مرفأٍ من ظلالٍ يطلُّ على اللهِ ، حين تنامُ الفوانيسُ ، والحلمُ يمطرُ من شُرفاتِ اليمامْ .. وصوتُ المغني يعيدُ الغناءَ ، ويزرعُ في الروحِ اوتارَهُ : أميلُ ( ورَبِّ الراقصاتِ إلى مِنًى )* بمُزْدَلَفٍ يومَ الحجيجُ يُقـامْ لِـ “ جُمَّيْزَةٍ “ في الروحِ شدَّتْ حبالَنا مداريهَ من عشقٍ وجسرَ غرامْ أسيلُ بعطرِ “ الجَوْدَرِيَّةِ “ عاشقًا يُطيِّرُ قلبي في “ الحُجُونِ “ هُيَام بِـ وادي القطا سالتْ ديارُ أحبتي وهَدْهَدَ في ظلِّ الضلوعِ حمامْ ……………………. .. وخِفافًا .. خِفافًا تمرُّ الظباءُ وسِرْبُ القطا .. يا مغنِّي القطا والشموسُ تذوبُ ، ويخفتُ وهجُ الخُطَى والدروبُ فلا تطرقِ الريحَ يا عابرَ الريحِ لم يبقَ غيرُ الصدى في الطريقِ نفتشُ في آخرِ الصوتِ عنَّا وكان الصدى واختفى ! فمن يحملُ الماءَ حينَ تشكَّلَ طينُ التولّهِ نايًا ، يُخبِّرُ عن سيرةِ الملحِ ، عن ظمأِ الماءِ ، حينَ تهزُّ التباريحَ ريحٌ يمانيّةٌ من ضفافِ سهيلٍ ، ويجري بدمعيَ طولُ المُقامْ ؟.. نميلُ بمنعطفِ “ الدربِ “* ، والبحرُ أسئلةُ الضاربينَ على الموجِ أحلامَهم ، يا زمانُ … وفي قصبِ الريحِ كم أودعوا دانةً ، وأقاموا المدى سفنًا كالخيامِ ، وصلّوا صلاةَ القيامْ . فلا البحرُ يذكرُ أسماءَنا ، إذ نلوّحُ للنجمِ من موجةٍ في السديمِ، ولا رملةُ الشطِّ تحفظُ منّا الخُطى النازفاتِ .. وليلُ الوجودِ سؤالٌ يُفتّشُ في نَوْحِنا عنِ ( الِاسْمِ ) قبلَ ابتداءِ الكلامْ . كأنّا وهذا الزمانَ استعارةُ حلمٍ ، وكانت يدانا تُلوّحُ للعمرِ من شرفةٍ لا تنامْ وصدى بَرَجونٍ تبعثر في دَرَجِ الريحِ يشهد كيف تضيعُ المعاني ، ويبقى السؤالُ .. يحاصرُ في دمعِنا كلَّ هذا الزحامْ ……………………………………… * “حلفتُ بربِّ الراقصاتِ إلى مِنًى : شطر من الموروث الشعري العربي القديم ورد عند شعراء منهم المخضرم حُميد بن ثور الهلالي .. . الراقصاتِ : الإبل الراقصة بركابها الحجيج ، إذ يغنون لها فترقص في سيرها في طريق المشاعر . * الجودرية والحُجُون : من أحياء مكة التاريخية ذات القداسة الروحية التي اندثرت مع الزمن ، وبقيت شواهدُها ذكرياتٍ في ذاكرة القلب والروح . * الجُمَّيزة ، تحتمل المعنَيَيْن : شجرة الجُمَّيْزة و حيَّ الجُمّّيْزة من أحياء مكة . * الدرب : بلدة تهامية ساحلية من بلدات مدينة جازان . * المداريه : المراجيح * البرجون : كرات زجاجية صغيرة من ألعاب الطفولة .