المقاربات النقدية للقصيدة العمودية والقصيدة الحداثية..
جماليات التقرير ومزالق المباشرة وخصوصية التأويل.
ثمة التباس تنتج عنه إشكالية في الرؤية النقدية ؛ ففي الوقت الذي يُعدّ فيه التقرير(بوصفه أسلوباً في التعبير المباشر) ظاهرة تنتقص من القيمة الجماليّة في النّص الشعري العمودي الذي يلتزم بالأوزان التقليديّة الخليليّة ، نجده لدى الشعراء الحداثيين ظاهرة فنّية تندرج في إطار العفوية و البساطة التشكيليّة التي لا َتكلُّف فيها ولا عناء ؛ وتقترب أحيانا من اللغة اليومية ،وعُدّ ذلك سِمة من سمات التجديد ، وإذا ضربنا صفحاً عن المباشرة و التقرير في قصيدة (سجل أنا عربي) لمحمود درويش التي ذاع صيتها بوصفها من الشعر المقاوم ، حيث أصبحت مطلباً للحضور في أمسيات درويش الشعريّة في أقطار عربية مختلفة ممّا اضطر صاحبها في إحدى تلك الملتقيات إلى القول لجمهوره (وأذكر أن ذلك حدث في إحدى الأمسيات الشعرية في بيروت) ما جدوى أن ألقي قصيدة (سجل أنا عربي ) و أنا بين العرب؟ فقد شاع في شعره الحداثي ودواوينه التي عُدّت من عيون شعر الحداثة ظاهرة التقرير و المباشرة. وتقريريّة محمود درويش الشعرية - على الرغم من انتمائها الواضح إلى الحداثة الشعرية - لا تخلو من مقاطع تقوم على التعبير المباشر المتّصل بالحياة اليومية، غير أن هناك من يسوّغ هذا الأسلوب بأنه لم يرِد منفصلاً عن العناصر الشعرية الأخرى؛ إذ يتداخل مع الإيقاع والتكرار والمفارقة وتعدّد الأصوات والمشهد السردي، فلا يعدُّ مظهراً من مظاهر الضعف و فقاً لشهادة من تصدّوا لتحليل شعر درويش ؛ ولذلك ينبغي التمييز بين التقريريّة بوصفها مباشرةً فجّةً أقرب إلى الخبر و كونها في سياقها التصّي ملمحاً فنياً، والتقريرية بوصفها اختياراً أسلوبياً يقصد إلى تثبيت موقف أو إعلان حقيقة أو تحويل العبارة الشعرية إلى قول جماعي قابل للتداول ، ومع وجاهة هذا التحليل لا نرى بأساً في أن تَسِم هذه الظاهرة بعض الشعر العمودي بميسمها حين ترفده بالصورة الفنيّة والتداعيات الوجدانيّة وتسدُّ فجوة في ما يقتضيه الحسّ العاطفي الإنساني ؛ ففي ديوان (ورد أقل) يقول درويش في قصيدة من قصائده “ على هذه الأرض ما يستحق الحياة “ حيث تقوم العبارة على جملة خبرية مباشرة، لا غموض في معناها الأول، فهي تقرر استحقاق الحياة وتثبت قيمتها، ثم يكرّرها الشاعر لتصبح بمنزلة لازمة في خطابه الشعري في النص ، وبعد هذا الإعلان المباشر تأتي التفاصيل والصور التي تفسّر أسباب استحقاق الحياة، وبذلك تنطلق القصيدة من تقرير واضح، ثم تتوسّع دلالته عن طريق التعداد والمفارقة والصورة، فالتقريرية هنا تشكّل مركزاً دلالياً تنتظم حوله العناصر الحداثية في النص ؛ وكذلك قوله “ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً” ؛ فالعبارة تعلن موقفاً إنسانياً بصورة صريحة، وتقوم على ضمير الجماعة والفعل المضارع والجملة الشرطية، ولا تحتاج في معناها الظاهر إلى تأويل رمزيٍّ مُعقّد، وعلى الرغم من الأسباب التي يسوقها دارسو شعره معلّلين هذه الظاهرة من منطلقات حداثية ، فإن مثل هذه المسوّغات يمكن حشدها لتعليل التقرير في القصائد العمودية؛ فكثافة المجاز و التشخيص و المفارقات والامتياح من أغوار النفس وشطآن الروح تجعل بعض مظاهر التقرير و المباشرة قابلة للتسويغ . ولم تكن القصيدة الحداثيّة في المملكة العربية السعودية قائمة على الغموض والانزياح والرمز وحدها؛ بل تضمنت - في نماذج كثيرة - جملاً تقريرية وخبرية مباشرة، ولا سيما عندما اتّجه الشعراء إلى التعبير عن الموقف الوطني أو الاجتماعي أو الإنساني أو إلى سرد تجربة ذاتية ويومية، غير أن هذه التقريرية لا تَرِد غالباً في صورة خطاب نثريٍّ خالص، وإنما تتداخل مع الإيقاع والتكرار والمفارقة والرمز، فتؤدّي وظيفة دلاليّة داخل البناء الشعري، فسعد الحميدين – وهو من أبرز رواد القصيدة الحداثية في المملكة – الذي يعد ديوانه «رسوم على الحائط» من بواكير الشعر الحداثي الرائد في المملكة يقول في قصيدة (رسوم على الحائط) “تجيئين عند المساء وعند بداية كل صباح” ويقول في الموضع نفسه: “وقلت وقلت وكان انتظار” و لكن التقريريّة – هنا - ليست تقريراً فكرياً مجرّداً وإنما هو تعبير وجدانيٌّ، يعتمد على ذكر الفعل والوقت والحالة النفسيّة بصورة واضحة، ثم يمنحها التكرار والإيقاع بُعداً شعرياً ، وهو ما يكشف أن الجملة المباشرة يمكن أن تؤدّي وظيفة جماليّة حين توضع في بناء يقوم على التنامي والتصاعد في البناء العضوي و الشعور الوجداني ؛غير أن هذا لاينفي وجود هذه الظاهرة الأسلوبية على الرغم من كل هذه المسوغات. يقول الثبيتي في قصيدة ( موقف الرمال، موقف الجناس) “أنت والنخل فرعان” ثم يؤكد هذا الحكم بقوله،”أنت والنخل صنوان” ولكن التقرير لدى الثبيتي يختزن طاقة رمزيّة تتجاوز المعنى الظاهر ،و لا يبقى عند حد المعنى المباشر، لأن النخلة هويّة كونيّة ورمز الخصوبة و النماء والانتماء والأصالة ، وبذلك تصبح جملة «أنت والنخل صنوان» تقريراً ظاهرياً له دلالات ثقافية ووطنية ووجوديّة، وتتحقق شعريته من خلال التوازي والترميز والتكرار، لا من خلال الغموض اللغوي وحده، ومن أكثر نماذج على الدميني الشعرية اقتراباً من التقرير المباشر قوله على لسان شخصية فاطمة: “أنا فاطمة /أتمسك بحقي في الحياة/ بحقي في الحب” ومع ذلك لا يفقد شعريته، لأن شخصية فاطمة تتجاوز وجودها الفردي لتغدو صوتاً رمزياً للمرأة والإنسان المطالب بحقه في الحياة الطبيعية . ويقول الدميني في مقطع آخر: “لا أطلب سوى أن أعيش مع أسرتي الصغيرة” فالتقرير- هنا - مباشر؛ ولكنه يطالب بحقٍّ بسيط وطبيعي، وقد لاحظ مصطفى الضبع أن هذه الصياغات تقرّر حقوقاً إنسانية، وتعبّر عن موقف الشاعر من الحرية والعدالة وتقرير المصير. أما التقرير لدى فوزية أبو خالد الشاعرة الحداثيّة الرائدة في ديوانها الشهير “ إلى متى يختطفونك ليلة العرس” فتقول في قصيدة «بين الرغيف وبين الشهادة»، في وصفها لأبيها: “ كان يشرب القهوة المرة كل صباح ويقول، ها قد استفتحنا النهار” حيث تتبدى سرديّتها النثريّة في معنىً مباشر ؛ لكنها تقصد من وراء ذلك كسر روتين القصيدة العموديّة عبر استثمار اللغة اليومية وشحنها بشعرية تتجاوز المألوف؛ لكن التفاصيل اليومية تشحن القصيدة بطاقة شعريّة مدهشة عبر اتّساقها مع بساطة الواقع وانتماء الشخصية وجوهر اللحظة المشحونة بوجدانيّة وشفافيّة. وتقول فوزية أبو خالد في موضع آخر”أوصيكِ بشيء واحد/ لا تخوني النخل” تقترب العبارة من التقرير والوصية المباشرة، فهي تقوم على فعل الأمر والنهي، ولكنها ذات إيحاءات رمزيّة تجعل من النخل مناط الانتماء الأصيل إلى الأرض كما سبق أن ألمحت . نستنتج من ذلك كله أن المباشرة و التقرير ظاهرتان حداثيتان في جماليّات القصيدة لخروجهما عن المألوفة في شعرية اللغة اليومية من ناحية ؛ وثرائهما الرمزي من ناحية أخرى ؛ فهما ظاهرتان أسلوبيتان في القصيدة الحديثة تتنوّع مواقعهما في النصوص الشعرية، فهما - عند سعد الحميدين - مشحونتان بطاقة عاطفيّة نفسيّة تتمثّل في قلق الانتظار ، وعند محمد الثبيتي ذات ملمح صوفيٍّ يتوحّد عبرهما (الإنسان والنخلة والمكان) وعند علي الدميني إعلانٌ مباشرٌ عن الحقوق الإنسانيّة والاجتماعية، وعند فوزية أبو خالد ملمحٌ غنائيٌّ ذاتيٌّ وتعبيرٌ عن الانتماء ببعديه الوطني والاجتماعي ؛ ومن ثمّ فليست التقريريّة في القصيدة الحديثة منافية للشعريّة ؛ بل من صميمها عبر السياق الذي ترد فيه ، إذ قد تكون العبارة مباشرة في مستواها اللغوي الأول، لكنها تصبح شعريّة من خلال موقعها في النص، وعلاقتها بالتكرار والإيقاع والرمز والتناص وتعدّد الأصوات، فقول الثبيتي “أنت والنخل صنوان” واضح وتقريري في ظاهره، لكنه ينطوي على رؤية ثقافية عميقة، وقول الدميني “أتمسك بحقي في الحياة” قريب من لغة الاحتجاج، لكنه يكتسب شعريّته من الصوت الدرامي وتكرار الحق وتحوّل الشخصية إلى رمز، أما قول فوزية أبو خالد إن أباها كان يشرب القهوة كلَّ صباح، فيتحوّل من خبرٍ يوميٍّ إلى علامة على الذاكرة والهوية والاستمرار بعفويّة ومغالبة للمشاعر في جيشانها . لا تكون التقريريّة عيباً فنياً في ذاتها، فقد تتحول في القصيدة العمودية إلى قيمة جماليّة حين تصدر عن تجربة صادقة، أو تأتي في صورة حكمة مكثّفة، أو اعتراف وجداني، أو موقف أخلاقي واضح، ويساعد الوزن والقافية والتوازن التركيبي على نقل العبارة من مستوى الخبر العادي إلى مستوى القول الشعري المؤثر. وفي المقابل فإن عبدالعزيز خوجة يقول في قصيدة (سبعون) وهي قصيدة عموديّة إني لقيتك يا سبعون مبتسماً راضٍ بما قد مضى راضٍ بما قُسما لم يبق لي غير عفو الله أطلبه ورحمة منه أرجوها ومعتصما يبدو الرضا وطلب العفو خطاب مباشر في النص الذي يخلو من المجاز و الرمز؛ ولكنه ينطوي على صدق المكاشفة و القناعة في نَفَسٍ روحاني صوفيٍّ، و المناجاة في اتساق إيقاعي ومناجاة ربانيّة حميمة في ديوان (سبحان من خلق ) الصادر عام 2013م وكذلك فـــإن غازي القصيبي (رحمه الله ) يقول في قصيدة (حديقة الغروب) وهي عموديّة أيضاً: خمس وستون في أجفان إعصار أما سئمت ارتحالا أيها الساري أما مللت من الأسفار ما هدأت إلا وألقتك في وعثاء أسفار يبدأ الشاعر بتقرير عمره تقريراً رقمياً مباشراً، ولكنها تأتي محفوفة بصورتين فنيّتين مجازيتين استعاريتين : (أجفان إعصار) و(حديقة عمري)، في إطار رؤية فلسفية وجودية عميقة . ويمكن أن نمثّل بالعديد من النصوص لشعراء سعوديين عموديين مبدعين ، مثل محمد حسن فقي على سبيل المثال لا الحصر ما جاء في قصيدته (أيها الإنسان) : الأشداء قبل أن يعودوا ضعافاً ليتهم غالبوا الهوى فاستقاموا كان حقاً عليهم أن يضيئوا قبل أن يدهم الحياة الحمام فالمعنى في هذين البيتين واضح ومباشر، ولكن الصياغة في سياقها من تشخيص في (المغالبة) والاستعارة في الإضاءة يستنطق الحكمة ويستدني جمال المعنى وعمق الدلالة . والأمثلة كثيرة ؛ ولكنني أريد أن أخلص إلى القول : إن الالتفات إلى قصائد الشعر العمودي في غمرة الانشغال بالقصيدة الحداثية أمر ضروري تستلزمه طبيعة الحياة الإنسانية في جوهرها ومتطلباتها النفسية و الفكرية و الاجتماعية.